تغيرات صغيرة تشهدها دراما 2026 تحمل دلالات كبيرة على التغيير الجائح والجامح الذي تشهده صناعة الترفيه وحياتنا بشكل عام، دون أن نلاحظه، أو بالأحرى نلاحظه ولا نكاد نفهمه أو نستوعب مداه.
على سبيل المثال، في مجال التمثيل، وفي زمن ليس بالبعيد جداً كانت المواهب تولد في المسرح، وتكبر في السينما، وتموت في التليفزيون.
كان المسرح هو المفرخة أو الحضانة التي يولد فيها الممثلون، وعندما يثبتون أنفسهم تلتقطهم السينما، ليشقوا طريقهم نحو النجاح والشهرة، وعندما يكبرون ولا يعدون مطلوبين بالشكل الكافي في السينما يتجهون إلى التليفزيون.
آخر جيل ينطبق عليه هذا النظام ربما يكون الممثلين الذين تجاوزوا الستين أو اقتربوا منها.
وخلال العقدين الأخيرين تغير هذا الترتيب، فأصبح معظم الممثلين يولدون في ورش التمثيل (وقد يمرون على المسرح كتدريب وصقل لمهاراتهم، أو لا يمرون) ثم ينتقلون إلى التليفزيون، ومنه إلى السينما إذا كانوا يتمتعون بنجومية السينما.
وخلال السنوات الماضية ظهر ترتيب آخر: حيث يولد بعض الممثلين على «التيك توك» و«اليوتيوب»، ثم يلتقطهم التليفزيون، ومنه إلى السينما.
ولكن نادراً ما كانت هذه الانتقالات مفاجئة أو حادة، ففي العادة يستغرق الممثل بعض الوقت ليتعرف عليه جمهور الوسط الجديد، قبل أن يحظى بدور كبير أو بطولة مطلقة.
ولكن رمضان 2026 شهد تجربة تحدث للمرة الأولى، على حد علمي، وهي حصول الشاب أحمد رمزي، صانع المقاطع على «التيك توك»، على بطولة مسلسل كامل هو «فخر الدلتا»، في مغامرة إنتاجية تراهن على الشعبية التي حققها على الإنترنت.
وبغض النظر عن مدى نجاح هذه المغامرة، الذي من شأنه أن يفتح المجال واسعاً أمام مغامرات مماثلة، فإن التجربة هي اعتراف كامل بالحضور الكبير الذي اكتسبته مواقع وقنوات الإنترنت المفتوحة لكل وأي إنسان (أو حيوان) يريد عرض مواهبه (أو أشياء أخرى) على كل وأي مشاهد لديه تليفون بشاشة سمارت أو مكسورة!
لا بد أن نعترف، نحن أيضاً، من جيل السينما أرقى الفنون، والفن إبداع وطريق شاق، والتليفزيون مدرسة الشعوب، إلى آخر هذا الكلام الذي نردده جهاراً ونعلم داخلنا أنه للاستهلاك الإعلامي، وأن الواقع شيء آخر تماماً.
وهو واقع يشير بقوة إلى أن السنوات القادمة ستشهد تغيرات هائلة في مفاهيم السينما والدراما وطريقة المشاهدة ونوعيات شاشات العرض.
تغيرات تحدث من حولنا بالفعل، حتى لو كنا ننكر حجمها أو تأثيرها.
وليس معنى الكلام السابق أنني معترض، أو مجنون، يلقي بنفسه أمام عجلات قطار التغيير الذي لا يبالي بأحد.
ولكنني أحاول، مثلكم جميعاً، أن أستوعب ما يحدث، وخاصة هذا التناقض الصارخ بين محاولات محاصرة وتقييد هذه القنوات الرقمية المفتوحة والحرة وبين احتضانها وتبنيها، بل وتدريب الأجيال الصغيرة (والكبيرة) على استخدامها في كل أنواع المهن والوظائف.
وما يحدث حالياً في مجال الإعلام (المكتوب والمرئي) من تطبيق استخدام الذكاء الصناعي لكتابة المقالات والتحقيقات (! ) وصناعة المحتوى واستبدال المذيعات والممثلين بالصور المصنعة.
شيء مثير ومخيف.
ومن يشاهد مقدمات مسلسلات رمضان، ومعظمها مصنَّع بواسطة الذكاء الصناعي تماماً، يدرك أننا لم نزل في طور السخافة والبداءة، لدرجة أن بعضها يكاد يكون نسخة واحدة من التطبيق نفسه والفكرة نفسها.
ومن ناحية ثانية، بدأ استخدام الذكاء الصناعي في تغيير ملامح الممثلين وإعادتهم إلى الشباب كما في مسلسل «على كلاي»، والتنفيذ جيد هنا بالمناسبة، وكل ذلك يبين أن السنوات القادمة ستشهد تحولات مذهلة في صناعة الدراما، لعل أقلها شأناً هو الاستعانة بنجوم «التيك توك» في البطولات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك