هناك أعمال فنية لا تنتظر الاستئذان بالدخول، تلك التي يأسر حضورها الطاغي عقل المشاهد، مخاطباً الوعي في صياغة تنسج بين الحقائق والإبداع الفني.
مع تتابع أحداث مسلسل «رأس الأفعى»، منذ المشهد الأول تلتقط كاميرا مدير التصوير ماركو ميشيل وحرفية المخرج محمد بكير ضبط كل مشهد بمهارة.
تسرع الكاميرا مع نبض حركة أبطال العمل في مشاهد يسابقون فيها الثواني لإنقاذ حياة مواطنين أبرياء، ليعود إيقاعها إلى الهدوء في اللقطات - تحديداً - التي تتناول الجانب الآخر من حياة شخصيات المسلسل.
قبل استعراض العناصر المميزة لمنتج درامي تليفزيوني مثل «رأس الأفعى»، تأتي على رأس الأسباب التي أكسبته أهمية استثنائية إلقاء الضوء على شخصية حرصت على ألا يُسرب عنها أي معلومة، محمود عزت، الذي لم يكن مجرد قيادة ضمن آخرين في الجماعة الإرهابية، بل هو أحد مهندسي تحول الجماعة من التصور المبدئي لولادتها كتنظيم دعوي إلى ميليشيات مسلحة تورطت في تنفيذ كل مظاهر الإرهاب وإراقة الدماء، لتمتد إلى إنشاء التنظيم السري المنوط به فيما بعد تنفيذ الاغتيالات والعمليات الإرهابية التي يصدر أوامرها محمود عزت.
الرجل أدمن إدارة خيوط الجماعة في إطار من الغموض والتستر، متفادياً بشكل كامل الظهور في الواجهة، بل إن الحرص على السرية بلغ به إخفاء تحركاته حتى عن أغلب قيادات الجماعة، وليس عن أعضائها فقط.
عزت كان أيضاً يمثل، مع خيرت الشاطر، أحد العنصرين الرئيسيين القائمين بالإشراف على عمليات تمويل الجماعة الإرهابية عبر شركات توظيف الأموال، والمشاريع الاستثمارية التي عمدت الجماعة إلى التوسع في إنشائها على اختلاف أنشطتها، وإدارة تحويل الأموال بين الداخل والخارج.
بالتالي لحظة القبض على من اعتبر نفسه «أمير المؤمنين» يوم 28 أغسطس 2020، بعد سنوات طويلة من العمل في الخفاء، شكلت صدمة كبيرة داخل الجماعة، أدت إلى انهيار في بنيتها الداخلية.
رغم أهمية مغزى تسليط الضوء على رجل يُعد المكون الأبرز في إعادة الحياة إلى التنظيم الإرهابي سياسياً واقتصادياً، بالإضافة إلى إحياء النهج الإرهابي بعد فترات متقطعة أمضاها داخل السجون، يسلط المسلسل أيضاً الضوء خلال أحداث مستوحاة من الواقع؛ على الدور المحوري الذي يقوم به جهاز الأمن الوطني في مواجهة العناصر الإرهابية وتفكيك شبكاتها التي اجتاحها هوس نشر العنف وإراقة الدماء، تحديداً بعد نجاح أجهزة الأمن في تطهير بؤرة الإرهاب التي استباحوها في محيط مسجد الشهيد هشام بركات، وفشل الجماعة الإرهابية في سرقة وطن عاش عبر تاريخه الممتد في العراقة على التسامح والسلام.
الصياغة الدرامية للمبدع هاني سرحان كشفت جوانب خفية عن أبرز قيادة سرية في الجماعة، مع التركيز على كل الموروث التكفيري الذي شكل تركيبة محمود عزت النفسية والعقائدية منذ الشباب حتى الكهولة، في نسيج درامي بارع أدمج أهمية الوعي بخطورة الجماعة الإرهابية مع إبراز أن فكرة المواجهة مع الإرهاب ليست مقصورة على المواجهات المسلحة، بل هي منظومة متكاملة تعتمد على الذكاء والصبر وشبكة معلومات متطورة.
اللجان الإلكترونية للجماعة الإرهابية قطعاً لا تعترف بأبجديات تقييم أي عمل فني، خصوصاً إذا كان كاشفاً لأقنعة الزيف التي خدعت بعض المغرر بهم، فسعت بكل ما أوتيت من بذاءة وانحطاط لغوي إلى تشويه المسلسل قبل أيام عديدة من عرضه.
أسقطت سيل أكاذيبها على عمل فني التزم بعرض المعلومة الدقيقة عن محمود عزت وتشربه بكل السموم التكفيرية منذ المرحلة الجامعية حتى وصوله إلى مكانة أبرز قيادات الجماعة الإرهابية.
بالتالي لم تكن خطة الإخفاء اعتباطاً، حين اختصت محمود عزت كونه القيادي الوحيد الذي نشطت عناصر الجماعة في بث شائعات تروج لهروبه إلى الخارج بعد فض الاعتصام الإرهابي في جامع الشهيد هشام بركات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك