يبرز حضور شهر رمضان المبارك في السينما العربية بوصفه عنصرًا دلاليًا أكثر منه موضوعًا رئيسيًا للأحداث.
فعلى خلاف الدراما التلفزيونية التي ارتبطت إنتاجيًا بموسم الصيام، لم يشكّل رمضان موسمًا سينمائيًا مستقلًا، لكنه حضر في عدد من الأفلام العربية كإطار زمني يكشف طبيعة المجتمع ويختبر العلاقات الإنسانية ويضبط الإيقاع العام للسرد.
في السينما العربية، رمضان ليس محورًا للأحداث بل إطارًا دلاليًا يعكس البنية الاجتماعية ويختبر العلاقات الإنسانية.
رمضان كخلفية اجتماعية في السينما الواقعية.
في أفلام الواقعية المصرية، استُخدمت أجواء رمضان لتكثيف صورة الحي الشعبي وإبراز بنيته الاجتماعية.
ففي فيلم" بين القصرين" المأخوذ عن ثلاثية نجيب محفوظ، تبدو الحياة في الحي القاهري التقليدي محكومة بإيقاع جماعي تتداخل فيه الطقوس الدينية مع السلطة الأبوية داخل البيت.
ولم يكن الشهر محور الحكاية، لكنه شكّل زمنًا كاشفًا لطبيعة العلاقات داخل المجتمع.
وفي" القاهرة 30"، يظهر السياق الاجتماعي ذاته، حيث تتقاطع القيم المعلنة مع الممارسات الفعلية، وهي مفارقة كثيرًا ما استُخدم شهر رمضان لتسليط الضوء عليها.
وحتى في أفلام لا تدور أحداثها صراحة خلال شهر رمضان، تكفي لقطة آذان أو مائدة إفطار لتحديد الزمن وإضفاء كثافة رمزية على المشهد.
ففي" الكيت كات"، تُستحضر أجواء الحي الشعبي ومقاهيه وأسواقه، وهي بيئة كانت طقوس رمضان جزءًا من نسيجها اليومي، حتى إن لم يُذكر الشهر صراحة.
أما فيلم" الزوجة الثانية"، فيعكس مجتمعًا ريفيًا كانت فيه الطقوس الدينية تمثل لحظات تضامن علني، وهو ما ينسجم مع الصورة التقليدية لرمضان في القرى.
لماذا لم تتشكل" سينما رمضانية"؟على عكس التلفزيون، لم ترتبط صالات العرض السينمائي بموسم الصيام ارتباطًا إنتاجيًا واضحًا، بل إن بعض المنتجين تاريخيًا تجنّبوا طرح أفلام كبيرة خلال رمضان بسبب تغيّر عادات الخروج والسهر.
ومع صعود التلفزيون في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، انتقل الثقل الرمضاني إلى المسلسلات التي باتت تُنتج خصيصًا للشهر، حتى أصبح رمضان موسمًا دراميًا بامتياز.
في المقابل، ظل حضور الشهر في السينما محدودًا ورمزيًا، يظهر في مشهد أو لقطة تحمل دلالة زمنية مكثفة.
في السينما، رمضان لم يتحول إلى موسم إنتاجي كما في التلفزيون، حيث ارتبطت المسلسلات بالشهْر بشكل مباشر.
حضوره في الأفلام ظل رمزيًا ومقتصرًا على مشاهد أو لقطات تحمل دلالات زمنية محددة.
تحولات الصورة من الحي الشعبي إلى المدينة.
في الأفلام القديمة، ارتبطت صورة رمضان بالحي الشعبي: فوانيس يدوية، شوارع تخلو لحظة الأذان، باعة كنافة وقطايف، ومائدة تمتد في بيت بسيط.
وكانت الكاميرا توثق تفاصيل يعرفها المشاهد من واقعه اليومي.
لكن مع تحولات المدن العربية، تغيّرت الصورة البصرية، ففي الأعمال الأحدث، ظهرت شقق حديثة ومراكز تجارية مضاءة بدل الأزقة الضيقة، وتراجعت بعض العناصر التراثية أو تحولت إلى رموز مختزلة داخل الكادر.
ويطرح هذا التحول تساؤلًا حول ما إذا كانت صورة رمضان نفسها قد تغيّرت، أم أن التغيير طال الفضاء الاجتماعي الذي تُصور فيه الأحداث.
يبقى رمضان في السينما لحظة أكثر منه موسمًا، لحظة رفع كأس ماء عند الغروب، أو شارع يفرغ فجأة مع صوت الأذان، أو عائلة تجتمع حول مائدة متواضعة.
لا تحتاج هذه اللقطة إلى شرح مطوّل، إذ يكفي حضورها على الشاشة ليُدرك المشاهد أن إيقاع الحياة تبدّل، وهنا تكمن قوة حضور رمضان في السينما العربية، ليس في كثافة ظهوره، بل في قدرته على تكثيف معنى اجتماعي كامل داخل مشهد واحد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك