في مسرحية «في انتظار غودو» للكاتب الإيرلندي صموئيل بيكيت، تقف شخصيتا المسرحية الرئيسيتان فلاديمير وإستراغون في انتظار شخص يدعى غودو، وفي الحقيقة لا هما يملان الانتظار، ولا غودو يأتي، في مشهد عبثي يلخص لنا الأمل المؤجل، وتلك هي حال عقيلة ووالدها عزوز، بطلي رواية «أغالب مجرى النهر» للكاتب الجزائري سعيد خطيبي، الصادرة في السنة الماضية عن دار أنطوان-هاشيت، التي وصلت إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية في دورة العام الحالي، وقد سبق لمؤلفها أن وصلت روايته «حطب سراييفو» أيضا إلى القائمة القصيرة في دورة عام 2020.
وإذا كان غودو الغامض عند بيكيت، أبقى منتظِرَيْه معلّقَين بحبل الخلاص المأمول، فإن نظيره (بودو) عند خطيبي حاول أن يأتي لولا أن حادث سير اختطفه في الطريق قبل أن يصل إلى وجهته، واختطف معه أمل «عقيلة» بطلة الرواية في إنشاء كلية طب، ولكنه اختطف أيضا ما هو أخطر من ذلك: فرصة والدها الوحيدة في إعادة الاعتبار لنفسه، وتبرئته من تهمة خيانة ثورة كانت مضرب مثل العالم في القرن الماضي.
وفي قراءة مغايرة لبعض مفاصل هذه الثورة وتداعياتها بعد الاستقلال، كتب سعيد خطيبي روايته، متخذا من مسقط رأسه مدينة بوسعادة مسرحا لها، ومختارا لحظة مفصلية في تاريخ الجزائر الحديث سنة 1990، حيث عرفت البلاد بعدها تحولات دراماتيكية دامت عقدا كاملا، وراح ضحيتها عشرات آلاف الضحايا.
يوهمنا الروائي بأنه يقدم لنا رواية بوليسية بأركانها الكلاسيكية، وهم طبيب تشريح مات مسموما، ومتّهمون متعددون لكلٍّ منهم مصلحة في قتله، وعلى رأسهم زوجته، وتحقيق لا ينتهي مع هذه الزوجة ووالدها من أول الرواية إلى آخرها.
ولكن خلف هذه الواجهة – التي أجاد خطيبي حبكها وحافظ على خيط التشويق دون انقطاع على امتداد قرابة 300 صفحة – يضمر الروائي تاريخا موازيا ينتصر للمهمشين وللنساء المعنّفات، ولضحايا الاستعمار والاستقلال على السواء، فلا صوت يعلو فوق صوت المنتصرين، فهم كانوا ولا يزالون مالكي الحقيقة وكاتبي التاريخ.
مع تورطنا في أحداث الرواية، يتجلى لنا مغزى العنوان واضحا، بل إن الروائي يضمّن العنوان في مناجاة عزوز – أحد بطلي الرواية- لنفسه وهو يعدد خيباته «عارضتُ تفجير مقهى (أخي) كي لا أخسره، لكنه هاجر وقطع صلته بي.
تصدّيتُ لرفاقي القدامى، فنزعوا عني كُنيتي «كردادة» وانقلبوا عليّ.
هل كانت حياتي ستسير على ألطف حال لو أنني امتثلت لأمرهم، ولم أغالب مجرى النهر؟ »، فمجرى النهر هو سيرورة التاريخ الحتمية، ومغالبتها ليست سوى محاولة يائسة للعودة إلى المصبّ، عسى ولعلّ، ولكن متى غيّرت الرّغبات الأقدارَ؟تبدأ الرواية بمشهد تحقيق بوليسي في زنزانة ضيقة مع طبيبة عيون مشتبه فيها، في قتل زوجها، هذا التحقيق الذي تفتح فيه هذه الطبيبة كوةً في ذهنها على ماض متشعب ومعقد، أعطاها فيه الكاتب المساحة الأوسع من السرد، فالرواية منشطرة إلى أقسام ثلاثة: نصفها الأول بعنوان «البنت» تروي فيه «عقيلة» عبر ضمير المتكلم فسيفساء من حياتها تتجمع عبر توالي السطور، لتشكل لوحة واضحة المعالم عنها، وكذلك فعل خطيبي في القسم الثاني المعنون بـ»الأب» حيث أتاح لعزوز والد الطبيبة، أن يروي لنا سيرته وسيرة عائلته، وكثيرا من تاريخ بلده المغمور، ثم يفسح المجال في القسم الأخير الصغير لابنته ثانية لتكمل ما بدأته.
وبين هذين الساردَيْن نجد آخر كل فصل من فصول الرواية الكثيرة صوت الراوي العليم الذي ينقلنا في صفحات قليلة إلى حاضر مجريات الرواية، ويطلعنا على سير التحقيق.
وبين هذه اللعبة السردية المتناوبة بين شخصيات الرواية الأساسية والراوي العليم، يشيّد سعيد خطيبي معمار الرواية، بدقة مهندس وبحذق روائي متمكن من أدواته، يجيد إخفاء أسرار أبطاله وتشويق قارئه في نهاية كل فصل بجمل من أمثال «هناك شبهة أخرى أود سماع أقوالك بشأنها»، حتى يبقي القارئ على طريقة أجاثا كريستي مشدودا لمعرفة أجوبة ما نثرته أحداث الرواية من أسئلة وألغاز.
بين هذين الزمنين اللذين راوح بينهما الروائي: الزمن الحاضر من شهر يونيو/حزيران 1990 الذي لا يتجاوز أياما معدودة وفيه يجري تحقيق مع البنت وأبيها، والزمن المستعاد من الذاكرة والعائد إلى طفولة عزوز في عشرينيات القرن الماضي، ومشاركته في الحرب العالمية الثانية وبعدها ثورة التحرير الجزائرية، ما بينهما يتناول خطيبي بجرأة تحسب له، كثيرا من المسكوت عنه سياسيا واجتماعيا، في محاولة لإنزال الثورة من عرش القداسة المترفع عن المساءلة إلى أرض الواقع، فما دامت فعلا بشريا فلا مهرب من أن تنتابها أخطاء وتجاوزات، بدءا بتصرفات قادتها فـ»جبهة التحرير حظرت على (منتسبيها) شرب الخمر، لكن القادة ظلوا يشربون»، وصولا إلى المنتفعين من الثورة ومنتحلي صفة الذين يدّعون البطولات في حرب التحرير ولم يطلقوا رصاصة واحدة.
ومرورا بالفئة المظلومة التي ينتسب إليها عزوز، الذين «بعدما كانوا مناضلين ألصقت بهم تهمة الحركى (أي العملاء)، بعضهم لأنهم كانوا على صلة بحزب يعادي جبهة التحرير، وآخرون لأنهم اختلفوا مع رفاق لهم في الرأي، وغيرهم ممن شُك في خيانتهم من غير قرينة»، وحمل أصحابها كية على ظهورهم تنبذهم في حياتهم، مثل عزوز الذي عذّب وسجن وأُنكر نضاله وحرم من حقوقه المدنية، وعندما مات دفن في مربع مخصص للخونة، مورّثا عائلته ذلا لا يمّحي أثره.
لذلك كان يجد عزاءه في صوت أمه الميتة التي تعوّد على القسم برأسها «وراس يمّا»، التي ترافقه همساتها الداعية إلى التعقل في كل مفرق طرق محيّر.
والقضية المركزية الثانية التي تناولها الروائي، من دون مواربة: الذكورية المفرطة في المجتمع الذي يتناوله، حيث «الأزواج لا يثبتون شرعيتهم بعقد الزواج، بل بقسوتهم على نسائهم، كلما زادت قسوة رجل على زوجته، علت سمعته بين أقرانه»، وحيث إنجاب الذكر هو غاية كل زواج وحتى عند الطبقة المتعلمة، فطبيب التشريح «تمنّى أن يُرزق بذكر، لكنني أنجبت أنثى، فصيّرني عدوّة له.
يعلم أن الرجل هو من يحدد جنس الجنين، لكنه ينكر الأمر عن نفسه»، وهو نفسه المتزوج بطبيبة العيون عقيلة، ولكن العلاقة بينهما لا تختلف عن أي علاقة بين جاهلين متخلفين، تقوم على التعنيف الجسدي بالغ القسوة، تعبر عنه عقيلة بقولها: «ما كدت أنهي ردّي حتى رأيت نجوما تملأ بصري، استفقت منها في المستشفى».
والأغرب أن هذا يجري على مرأى ومسمع من والدها وأخيها وأمها التي تصفها بأنها من «الأمهات (اللواتي) يعاملن أبناءهنّ كغنائم حرب.
يريدونهم خاضعين لا يجادلون».
وهذه الطبيبة التي تعاني من العنف الزوجي ولا تحتج عليه سوى في نفسها، نجد أن تعليمها لا أثر له على سلوكياتها ولا تفكيرها، فمن ذلك أنها كانت تسرق قرنيات الموتى، بتواطؤ مع زوجها من دون إذن أهلهم وهو ممنوع قانونيا محرم دينيا، وحجتها أن الحي أبقى من الميت، كما أنها تؤمن بالخرافات، وتوصي مرضاها بزيارة الشيوخ الذين يكتبون التمائم، بل تزورهم بنفسها كما اعترفت «سأعود إلى الشيخ بلخير أرجو منه تميمة كي لا أجنّ».
وهذه الممارسات أضاء عليها سعيد خطيبي بسخرية، من خلال ما أجراه على لسان إحدى شخصياته «أقسم بأنه سمع من قريب له، أن رجلا أصيب بالسيدا ثم شفي منه بمنقوع الشيح».
نلحظ في الرواية تقاطعا وتوازيا بين جيلين جيل ما قبل استقلال الجزائر وما بعد استقلالها حتى في النظرة إلى المستعمر نفسه، فإذا كان شعار الجيل القديم الذي عانى من ويلات الاستعمار قول الرئيس هواري بومدين «نأكل التراب وما نروحش لفرنسا»، فقد تبنى كثير من أبناء الجيل الجديد شعارا آخر براغماتيا عبرت عنه عقيلة بقولها، «أما أنا فلا أريد أن آكل ترابا، بل أريد زيارة فرنسا».
ومع هذا نجد الأبناء يسيرون على خطى الآباء، صوّر ذلك خطيبي بتصرفات الميلود، الذي أعاد إنتاج أخطاء والده حين ولد له مولود غير شرعي فتهرب من تحمل مسؤوليته.
بلغة مقتصدة سلسة مطعّمة بألفاظ جزائرية وأمثال شعبية، وبتقنيات سردية متنوعة لجأت إلى رسائل وشهادات ورسومات حتى على المستوى البصري (صوت الميلود بالأسود الداكن) قدم لنا سعيد خطيبي في روايته «أغالب مجرى النهر»، نصا مشغولا بحرفية طرح فيه قضايا كبيرة وكثيرة، من تجارة الأعضاء إلى العنف الأسري، وصولا إلى المناضلين الذي وُسموا بالعمالة، ولكن في الأخير ندرك أننا لسنا أسماك سلمون لنسبح عكس التيار ونغالب مجرى النهر، كما أن غودو أو بودو -لا فرق- لن يصل أبدا لإنقاذنا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك