في كتابه" كل رجال الرئيس" All the President’s Men يقول المؤلف بوب وودوارد للسيناتور الأميركي سام إيرفين: " إن المفتاح هو تتبع الأموال السرية في الحملة [نيكسون الانتخابية]، ويجب تتبعها كلها.
وعندما جاء الفيلم الذي تناول تحقيق وودوارد وزميله كارل برنستين في اقتحام ووترغيت وسقوط ريتشارد نيكسون، لجأ كاتب السيناريو ويليام غولدمان إلى قدر من الحرية الإبداعية، إذ جاءت العبارة" تتبع المال" على لسان" ديب ثروت"، المصدر السري الذي كان يسرّب المعلومات لوودوارد.
لا يهم أن العبارة لم تُقل فعلياً.
فقد ترسخت الكلمات الثلاث وبقي صداها يتردد عبر العقود.
وفي مسلسل" ذا واير" The Wire، يقول المحقق ليستر فريمون: " إذا تتبعت المخدرات، ستصل إلى المدمنين وتجار المخدرات.
لكن إذا بدأت تتبع المال، فلن تعرف أبدا إلى أين سيقودك ذلك".
والآن، قاد هذا المسار الشرطة إلى منزل في عقار ساندرينغهام، وإلى اعتقال أندرو ماونتباتن-ويندسور في عيد ميلاده، للاشتباه في سوء تصرف حين كان يشغل منصباً عاماً.
ليس بسبب اتهامات بالاتجار الجنسي، بل لأن السلوك المنسوب إلى أندرو قد يكون مرتبطاً بسعيه وراء نمط حياة لا يملكه، وثروة لا يستطيع تحصيلها بصورة مشروعة.
ومن الممكن أن يتكرر الأمر نفسه مع بيتر ماندلسون.
فالوزير السابق واللورد ربما يجد نفسه موقوفاً للاشتباه في المخالفة ذاتها.
المال دائماً هو الخيط.
فضمن ملايين الصفحات من ملفات إبستين، تظهر رسالة إلكترونية من المدان بجرائم جنسية إلى ماندلسون جاء فيها: " أشعر بخيبة أمل مما يبدو طريقاً باتجاه واحد… جيفري، هل يمكنك أن تعطيني، جيفري، هل يمكنك أن تمنحني، جيفري، هل يمكنك أن ترتب… لم تقدّم بعد مساعدة حقيقية".
ولم يصدر عن ماندلسون أي تعليق حتى الآن منذ أن فتشت الشرطة ممتلكاته أخيراً.
في تلك الرسالة، لم يكُن إبستين يسعى إلى الجنس.
كان ذلك متوافراً لديه بوفرة.
ما كان يطارده هو المال، والمعلومات ذات القيمة التي يمكنه استغلالها ليزيد ثراءه.
ويبدو أن أندرو أيضاً كان يطمح إلى اللعب في مستوى آخر، أعلى بكثير من حدود الخزانة العامة البريطانية والمدفوعات الرسمية مقابل واجباته الملكية.
لقد أراد أندرو المزيد، وكذلك زوجته سارة فيرغسون.
وحتى ابنتاهما انجذبتا إلى هذا النهم، مستمتعتين بعطلات ورفاهية جعلتنا نحدق بدهشة، في حين كان ينبغي أن نسأل من أين يأتي رأس المال لتمويل كل ذلك.
رأوا أنفسهم أعضاء مستحقين في نخبة، أساسها الثروة.
لم يكُن النفوذ أو الوصول هو المعيار؛ فذلك كان متوافراً لهم.
ولم يكن الانتماء يحدد بالشهوة أو الميول الجنسية، بل بحجم الثروة.
كان إبستين عضواً في هذا النادي، وإن بالكاد.
كان عليه أن يسعى بلا توقف إلى الحفاظ على موقعه، وليكسب امتنان أصدقائه الأثرياء.
لقد كان عالقاً في حلقة مفرغة، كما كان أندرو، تتطلب تدفقاً دائماً من الأموال.
والدرس المستفاد هنا ليس جديداً، لكنه غالباً ما يُتجاهل إلى أن يفوت الأوان: إطرح السؤال البسيط، من أين يأتي هذا الشخص بأمواله؟ هل هناك فجوة بين ما يصرح بكسبه وما ينفقه أو يدخره؟قد يكون هذا النوع من الأسئلة ما يشغل مفتشي الضرائب، وأحياناً الشرطة، والمستثمرين والجهات التنظيمية، لكنه ليس أمراً يفترض أن يستغرق تفكير عامة الناس.
إلا أن الأمر يختلف عندما يتعلق بالعلاقات الأوسع لأندرو.
ولهذا، مهما حاولوا، لا يستطيع أفراد العائلة المالكة أن يتنصلوا من الفضيحة التي تطوقه.
فسقوط أندرو يسلط الضوء على ترتيباتهم المالية.
كيف يقيمون في قصور شاسعة، ويوظفون جيوشاً من الخدم، ويديرون أساطيل من السيارات، ويجوبون العالم بطائراتهم، ويتناولون الطعام في أرقى المطاعم، ويرسلون أبناءهم إلى أغلى المدارس؟ من يدفع ثمن ذلك، والأهم، ماذا يقدمون [للشعب والوطن] في المقابل تحديداً؟وعلى رغم أن جميعهم لا يشغلون مناصب عامة رسمية، فإن هناك مصلحة عامة مشروعة.
أحبوا ذلك أو لا – وغالباً ما يبدو أنهم يستمتعون به – فهم يحتلون موقعاً في الحياة العامة، في حياة أمتنا.
لا يمكنهم محاولة الجمع بين الأمرين.
إذا كان لدى تشارلز شيء من الحكمة، وإذا استطاع ويليام إقناعه، فعليهما أن يستعدا لاعتماد أعلى درجات الانفتاح والشفافية في شأن مواردهما المالية وموارد العائلة المالكة.
ويشمل ذلك الممتلكات كاملة، بما فيها تلك التي يتيحون للآخرين استخدامها، والصناديق الائتمانية والاستثمارات.
يجب أن نعرف ما الذي يفعلونه باسم بلدنا.
قد لا تكون الصورة جميلة، وربما تنكشف أمور كانوا يفضلون إبقاءها طي الكتمان، لكن هذه ليست أوقاتاً عادية.
أندرو هو من أوصل الأمور إلى هذا الحد.
والمستقبل الملكي على المحك.
ولتجنيبنا المطالبة المستمرة بـ" تتبع المال"، ولاستعادة الثقة بالمؤسسة التي ينتمون إليها، عليهم أن يكشفوا هم أنفسهم عن أموالهم.
فإذا أرادوا الحفاظ على الهالة، فعليهم أن يقطعوا مع التقاليد ويتبنوا الشفافية.
فليس لديهم أي خيار آخر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك