«أبناؤنا يسكنون أوطاناً رقمية لا نملك مفاتيحها»، أراقب ابني وهو جالس في ركنه المعتاد، غارقاً في شاشته ويضحك مع أشخاص لا أعرفهم بلغة إنجليزية تتخللها اختصارات ومصطلحات غريبة عليّ.
متى صار يشبه صديقه الافتراضي في الطرف الآخر من الأرض أكثر مما يشبه ابن عمه الذي يسكن في الشارع المجاور؟ ما يحدث ليس مجرد فجوة أجيال عادية، نحن أمام ولادة ما أسميها «القبائل الرقمية».
قديماً، كان الحيّ هو الذي يصوغ هويتك، والشارع هو الذي يمنحك لهجتك.
اليوم، القبيلة خوارزمية تجمع المهتمين بنفس اللعبة من كل قارات العالم.
لم تعد الجغرافيا هي القدر، بل الشاشة.
والحقيقة التي قد تبدو قاسية هي أن هذه الهوية الجديدة أصبحت «انتقائية» ومرتبطة بشكل وثيق بالطبقة الاقتصادية، فالتعليم العالمي والقدرة على استهلاك نمط حياة معين، خلقا جسراً ثقافياً عابراً للقارات.
طفلنا هنا، وطفل آخر في الغرب أو أي مكان فيه ثقافة طبقية مشابهة، ينتميان لنفس «القبيلة»، يلبسان نفس الماركات، يسمعان نفس الموسيقى، ويفكران بنفس الطريقة، بينما قد يجد طفلي صعوبة في إيجاد لغة مشتركة مع طفل آخر من بيئة محلية بسيطة في مدينته نفسها.
لقد حلّت «المكانة الاجتماعية» محل «القبيلة القديمة» في تحديد ملامح من نكون.
نحن، كآباء، نقف في المنتصف بمشاعر متناقضة يملؤنا الفخر بطلاقة ألسنتهم وانفتاح عقولهم، لكننا في الوقت ذاته نشعر بغصة «الفقد».
نشعر أن هناك خيطاً ما انقطع مع الجذور، مع لغة عربية كانت بئرنا الأولى، ومع قصص تاريخية لم تعد تعنيهم كثيراً.
لقد فقدوا «المرساة» المحلية، لكنهم في المقابل ربحوا «أجنحة» تجعلهم مواطنين في أي مكان يحلّون فيه.
ربما علينا أن نتوقف عن القلق.
الهوية لم تكن يوماً شيئاً جامداً نضعه في متحف، بل هي كائن حي يتنفس هواء عصر.
أبناؤنا ليسوا «تائهين» كما قد نتخيل، هم فقط يسكنون «أوطاناً» رقمية لا نملك نحن مفاتيحها.
هم يكتبون تاريخهم الخاص، بعيداً عن شجرة العائلة، وبقربٍ شديد من خوارزمية تعرفهم، ربما، أكثر مما نعرفهم نحن.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك