تحولت مراسم الأربعين لذكرى استشهاد المتظاهرين إلى تجمعاتٍ سياسيةٍ حاشدةٍ أعادت إشعال التحدي في شوارع البلاد.
وبالرغم من محاولات النظام اليائسة لقمع الذاكرة الجماعية، أثبتت هذه المراسم أن دماء الشهداء لم تُخمد الثورة، بل غذّت جذوتها.
في 17 و18 شباط (فبراير)، شهدت مدن إيران عودةً قويةً للتحدي.
تحولت المقابر والمساجد والساحات إلى ساحاتٍ سياسيةٍ حية، حيث جدّد الشعب العهد بإسقاط دكتاتورية دينية.
في المفاهيم الثورية الإيرانية، لم تعد الأربعين مجرد طقوس حزن، بل أصبحت" وقت النار والشرارات والضوء"، جسرًا استراتيجيًا يحول الألم إلى وقودٍ للخطوة الكبرى القادمة.
بدأت الموجة الحالية في 28 كانون الأول (ديسمبر) 2025 كإضرابٍ اقتصاديٍ من التجار في وسط طهران، مدفوعًا بانخفاض قيمة الريال وارتفاع الأسعار.
لكن الاحتجاجات تحولت بسرعةٍ من مطالب معيشية إلى رفضٍ شاملٍ للنظام.
انتشرت في عشرات المحافظات، وانضمت إليها الجامعات، لتصبح مطلبًا واضحًا بالتغيير الجذري.
رد النظام بالقمع الوحشي، فأطلق النار على المتظاهرين، وقتل آلاف المدنيين، منهم أكثر من 100 طفل.
في 17 و18 شباط (فبراير)، واجه النظام جبهةً موحدة.
في طهران تحولت مقبرة بهشت زهرا إلى مركز مقاومة.
وبالرغم من الوجود الأمني الكثيف، تجمع الأهالي والمؤيدون لتكريم الشهداء، هاتفين" نقسم بدماء الرفاق، نقف حتى النهاية" و" لكل شهيد ألف خلفه".
استهدفت الهتافات المرشد الأعلى مباشرة: " الموت لخامنئي" و" الموت لهذه الولاية طوال سنوات الجريمة".
في الجنوب، في نورآباد مماساني وكازرون وكوهچنار، تحولت مراسم ذكرى الشهداء رضا شهريار وآريان كشكولي إلى انتفاضاتٍ صاخبة.
أعلن المشاركون: " لم نعطِ شهداء للتسوية، ولا لتمجيد القاتل".
في مشهد، كانت الأجواء مشحونة بالمثل.
أُقيمت مراسم للشهيد حميد مهدوي، رجل الإطفاء الذي أصبح رمزًا للتضحية بعد مقتله أثناء مساعدة متظاهر.
وبالرغم من محاولة قوات القمع إغلاق المسجد، ثبت الناس موقفهم، هاتفين ضد النظام.
في جامعة فردوسي بمشهد، أقام الطلاب مراسم لذكرى الشهيدين محمد مهدي سالاري وبارسا صفر، مؤكدين أن الجامعة ما زالت حصن الحرية، وأن الزمن لن يُطفئ حقيقة تضحياتهم.
بقي رد النظام وحشيًا.
في أبدانان بمحافظة إيلام، تجمع الناس لتكريم علي رضا سيدي، الشهيد البالغ 16 عامًا.
هاجمت قوات الأمن والحرس الثوري المعزين بالمركبات المدرعة والرصاص الحي، مما أصاب عددًا من المواطنين.
لإخفاء الأخبار قطعت السلطات الإنترنت والاتصالات في المدينة.
لكن أهل أبدانان لم يتراجعوا، واستمرت احتجاجاتهم حتى مساء 17 شباط (فبراير) وطوال اليوم التالي، هاتفين" الموت لخامنئي" و" لا شاه ولا ملا".
اخترقت روح الانتفاضة جدران السجون.
من سجن يزد، أرسلت السجينة السياسية باريسا كمالي رسالة تحدٍّ في 15 شباط (فبراير): " لا نبكي ولا نحزن على إخوتنا وأخواتنا الذين ضحوا بحياتهم، بل نفخر بهم".
وأضافت: " نحن التغيير الذي نبحث عنه".
من سجن قزل حصار، حذر السجين السياسي المحكوم بالإعدام شاهرخ دانشوركار من الانتهازية السياسية، مشيرًا إلى أن بقايا الشاه السابق، ابن دكتاتور، تحاول اختطاف الحركة، مما يساعد الملالي عمليًا في تشتيت الهدف الرئيسي: إسقاط دكتاتورية دينية.
خاطبت مريم رجوي، الرئيسة المنتخبة لمجلس المقاومة الوطنية الإيرانية، الأمة في هذه المناسبة.
وصفت الأربعين بأنها" عهد بمواصلة انتفاضة الشهداء حتى النصر".
أشارت إلى يأس النظام، موضحة أن خامنئي شن حملة اعتقالاتٍ غير مسبوقة ضد عشرات الآلاف، بما في ذلك الأطباء والممرضين الذين عالجوا الجرحى.
قالت: " إنهم يرتجفون، لأن صرخة المقاومة المتزايدة ونداء إسقاطهم يُسمع في كل مكان".
وختمت بأن النصر يقترب من خلال المقاومة المنظمة وشجاعة وحدات المقاومة.
مع تردد هتافات" المدافع والدبابات والرشاشات لم تعد فعالة" من طهران إلى أصفهان، يتضح أن استراتيجية الإرهاب للنظام فشلت.
دماء الشهداء لم تُسكت الأمة، بل روت شجرة الحرية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك