في شوارع القاهرة والإسكندرية ومدن مصر الكبرى، صار مشهد الدراجات النارية التي تحمل صناديق التوصيل جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية، لكن خلف هذا الحضور الكثيف يقف قطاع عمل واسع بلا ملامح واضحة ولا حماية قانونية وحقوقية مكتملة، وهو ما أعاد النقاش حول أوضاع" عمال الدليفري" إلى الواجهة مع تحركات برلمانية تطالب بتنظيمه.
تشير تقديرات غير رسمية إلى أن نحو مليوني شخص يعملون في مجال توصيل الطلبات في القاهرة والمدن الكبرى، وهو رقم يعكس اتساع الظاهرة وتغلغلها في الاقتصاد الحضري المعتمد بشكل متزايد على الخدمات الرقمية والطلب عبر التطبيقات.
هذا الانتشار مرتبط بتوسع الطلب على خدمات التوصيل التي لم تعد تقتصر على الطعام أو البقالة، بل امتد إلى نقل المستندات والملابس وحتى العينات الطبية، ما جعل هؤلاء العمال جزءاً لا يتجزأ من الحياة اليومية.
غير أن اتساع القطاع لا يعني استقراراً مهنياً؛ فوزارة العمل ذاتها تقر بعدم وجود إحصاء شامل لعدد العاملين فيه، إذ قالت مديرة قطاع السلامة والصحة المهنية بالوزارة، منى درديري، في تصريح سابق إنه لا يوجد حتى الآن حصر كامل وشامل لأعداد عمال التوصيل، مشيرة إلى أن أعدادهم كبيرة ومتزايدة على مستوى الجمهورية.
وفي ظل هذا الغياب الإحصائي، أطلقت الوزارة حملة باسم" سلامتك تهمنا"، وأعلنت توجهها لإلزام الشركات بتوفير مهمات الوقاية، مع السعي لتسجيل العاملين ضمن قاعدة بيانات العمالة غير المنتظمة لضمان التأمين الاجتماعي والصحي ضد إصابات العمل.
من زاوية العمال أنفسهم، تبدو الصورة أكثر تعقيداً؛ يقول محمد شريف، الذي يعمل في إحدى شركات الطلب عبر التطبيقات، إن العمل في هذا المجال جاء نتيجة صعوبة العثور على وظيفة مستقرة، مضيفاً أن الضغوط الاقتصادية دفعت كثيرين إلى نموذج" العمل عند الطلب" رغم قسوته ومخاطره اليومية، فضلاً عن عدم وجود أي ضمانات أو حماية اجتماعية.
وأشار إلى أن أبرز التحديات تشمل: ساعات العمل الطويلة والمجهدة، غياب التأمينات، مخاطر الطريق، ونقص أدوات الوقاية، إلى جانب الضغوط الشديدة من الشركات لإتمام الطلبات بسرعة.
هذه الشهادة تعكس اتجاهاً أوسع في سوق العمل المصري، حيث يعمل نحو 63% من القوة العاملة في الاقتصاد غير الرسمي، حسب بيانات منظمة العمل الدولية، ما يضع قطاع التوصيل ضمن منطقة رمادية قانونياً وتنظيمياً.
وفي المقابل، تنفي بعض المنصات الرقمية لشركات التوصيل اتهامات التقصير في الحماية، حيث صرحت بأنها تساهم في نظم التأمين ضد الحوادث والحياة، لكنها أوضحت في نفس الوقت أن إدارة العاملين تتم عبر متعاقدين خارجيين، وأن الالتزامات القانونية المباشرة تجاههم محدودة.
هذا الطرح يثير انتقادات حقوقية وعمالية، إذ يرى القيادي العمالي ورئيس اتحاد عمال الإسكندرية الأسبق، عبد المنعم عبد العزيز، أن عمال التوصيل، بحكم طبيعة عملهم وساعات قيادتهم الطويلة، يقعون ضمن الفئات الأكثر تعرضاً للمخاطر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك