يحل شهر رمضان هذا العام على قطاع غزة ولا تزال آثار الحرب تُلقي بظلالها الثقيلة على تفاصيل الحياة اليومية، حيث الدمار الكبير وفقدان المأوى والعمل بأسواق فقدت صخبها المعتاد، بسبب صعوبة الأوضاع الاقتصادية.
وبينما تتجاوز معدلات البطالة حاجز 80% وترتفع نسب الفقر إلى أكثر من 90%، يجد آلاف الغزيين أنفسهم بلا دخل ثابت، في واقع اقتصادي هو الأصعب منذ سنوات طويلة.
وفي ظل اعتماد أكثر من 95% من السكان على المساعدات الإنسانية، تراجعت القدرة الشرائية بشكل حاد، وباتت الأسواق تعاني من ضعف الإقبال بسبب ارتفاع الأسعار، وتآكل دخول المواطنين.
ومع ذلك تبرز في رمضان مهن موسمية تشكّل طوق نجاة لمئات الأسر، وتعيد بعض الروح إلى شوارع القطاع.
وقف بائع القطايف والحلويات الموسمية الرمضانية في سوق مخيم النصيرات وسط القطاع، محمود الخالدي، أمام فرنه الساخن يسكب عجينة القطايف بمهارة اكتسبها منذ 11 عاماً، حين ورث المهنة عن والده.
وقال الخالدي لـ" العربي الجديد" إن رمضان يمثل له فرصة سنوية لانتشاله من البطالة وتحقيق دخل يعينه على إعالة أسرته خاصة أنه خلال باقي أشهر العام بالكاد يجد عملاً في السوق، وكثيراً ما يجلس دون أي مصدر رزق.
وأضاف: " رمضان هذا العام صعب جداً على الغزيين، نبيع كيلوغرام القطايف بـ10 شواكل (الدولار= 3.
1 شواكل)، وهو سعر لا يحقق هامش ربح كبير، بينما كان قبل الحرب بـ6 شواكل مع ربح جيد".
وأوضح أن ارتفاع أسعار المواد الخام وتكاليف التشغيل انعكس مباشرة على السعر النهائي، في وقت تراجعت فيه القدرة الشرائية للمواطنين بشكل غير مسبوق، مشيراً إلى أن الإقبال عادة ما يكون جيداً في بداية الشهر، نظراً لارتباط القطايف بطقوس رمضانية راسخة لدى العائلات، لكن سرعان ما يبدأ العزوف التدريجي مع مرور الأيام.
وقال الخالدي: " الناس يشترون في الأيام الأولى، ثم يبدأون بحساب الأولويات، ومع ضعف الدخل يضطرون للاستغناء عن الكماليات".
ورغم صعوبة مهنته، تظل في نظر الخالدي متنفساً مهماً له ولمئات الباعة الموسميين في القطاع، لكنّ استمرار إغلاق المعابر والتقييدات الكبيرة على إدخال المواد الخام يجعل أي محاولة للنهوض الاقتصادي أمراً بالغ التعقيد، ويزيد من هشاشة المواسم الرمضانية التي كانت يوماً ما مصدر فرح ورزق واسع.
وفي سوق الصحابة بمدينة غزة، يقف أحمد شحادة، خلف براميل المخللات التي يعيد ترتيبها بعناية، بعد انقطاع دام عامين بسبب الحرب والمجاعة.
وقال شحادة لـ" العربي الجديد" إنه يعمل في هذه المهنة منذ سنوات طويلة، لكنه توقف قسراً خلال عامي الحرب.
وأضاف: " هذه ليست مجرد مهنة تدر دخلاً لأسرتي النازحة من مخيم جباليا إلى غربي مدينة غزة، بل طقس ورثته عن شقيقي الأكبر الذي فقدته في بداية الحرب"، مؤكداً أنّ عودته هذا العام إلى السوق تحمل بُعداً معنوياً قبل أن تكون خطوة اقتصادية.
ولفت شحادة إلى أن الأسعار المرتفعة تشكل تحدياً كبيراً، إذ يبلغ سعر كيلوغرام المخللات حالياً 24 شيكلاً، مقارنة بـ5 شواكل فقط قبل الحرب.
ولفت إلى أنّ الناس يضطرون لشراء كميات قليلة جداً، أحياناً ربع كيلوغرام أو أقل، لأن الوضع الاقتصادي لا يسمح بأكثر من ذلك.
ويشكو أيضاً من أزمة السيولة الخانقة، خصوصاً عدم توفر" الفكة" ما يؤدي إلى فشل كثير من عمليات البيع والشراء، قائلاً: " كثيراً ما لا نبيع، فقط لأننا لا نملك عملة معدنية لإرجاع الباقي إلى الزبون، في ظل استمرار أزمة السيولة منذ أكثر من عامين ونصف، وهو ما يزيد من تذمر المواطنين ويفاقم الخسائر".
من جهته، أعاد البائع عبد القادر نصار افتتاح محل صغير لبيع زينة رمضان والفوانيس وبعض الألعاب، في حي الشيخ رضوان شمالي مدينة غزة، بعد أن دمر الاحتلال محله في سوق مخيم جباليا خلال العام الأول من الحرب، ليتكبّد خسائر تجاوزت 350 ألف دولار.
وقال نصار لـ" العربي الجديد" إنه تمكن من العودة للعمل بعد عام ونصف من التوقف، في محاولة لإعادة بناء حياته.
وأشار إلى أن الإقبال هذا العام ضعيف جداً" حتى خلال سنوات الحصار الشديدة التي سبقت الحرب، لم نشهد هذا الضعف في الشراء".
وأوضح نصار أن الناس باتوا يضعون شراء الطعام في مقدمة أولوياتهم، بينما تأتي الزينة والفوانيس في مرتبة متأخرة، إن لم تُلغَ تماماً، مشيراً إلى أنّ الأسعار ارتفعت بشكل لافت، فالفانوس الصغير الذي كان يباع بـ10 شواكل قبل الحرب، أصبح اليوم بـ30 شيكلاً، فيما ارتفع سعر حبل الزينة الصغير من 4 شواكل إلى 11 شيكلاً".
وأرجع ذلك إلى التقييدات الكبيرة على إدخال السلع وارتفاع تكاليف النقل والتنسيقات المفروضة، وشح البضائع في أسواق قطاع غزة.
ورغم قلة المبيعات، يتمسك نصار بالأمل في أن تعود الأسواق إلى سابق عهدها، مؤكداً أن مهنته لا تقتصر على بيع الألعاب وزينة رمضان، بل تحمل بعداً اجتماعياً يعكس فرحة الأطفال واحتفال العائلات بالشهر الفضيل، حتى وإن كانت هذه الفرحة هذا العام باهتة.
في الأثناء، ذكر المختص في الشأن الاقتصادي، عماد لبد، أن ضعف القدرة الشرائية في غزة بلغ مستويات غير مسبوقة، في ظل بطالة تتجاوز 80%.
وقال لبد لـ" العربي الجديد" إن الأولويات الاقتصادية للسكان باتت تتركز على توفير الطعام والمأوى، ما يفسر تراجع الإنفاق على السلع الموسمية.
وأكد أن قرابة 95% من الأسر تعتمد اليوم على المساعدات الإنسانية، ما يستدعي ضرورة تضمين حاجيات رمضان ضمن ملف المساعدات والتركيز عليها خلال الشهر الفضيل، " حتى لا يُحرم المواطنون من الحد الأدنى من الطقوس الرمضانية التي تشكل جزءاً من نسيجهم الاجتماعي".
وبحسب المختص في الشأن الاقتصادي فإن استمرار إغلاق المعابر والتقييدات الكبيرة على إدخال السلع والمواد الخام، يحول دون إعادة الحياة الاقتصادية إلى الأسواق: " طالما بقيت هذه القيود، سيظل التعافي الاقتصادي محدوداً وموسمياً".
ولفت لبد إلى أن مشكلة السيولة ونقص الفكة تؤرق الغزيين منذ أكثر من عامين ونصف، دون حلول جذرية من أصحاب القرار" ما يزيد من خسائر الباعة، ويدفع المواطنين أحياناً للتخلص من العملة التالفة بأقل من قيمتها، أو شراء الفكة بأسعار إضافية".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك