في شهر رمضان، تعيش الأم العاملة حالة استثنائية من الضغط المركّب؛ فهي تصوم ساعات طويلة، وتؤدي عملها خارج المنزل أو داخله، ثم تعود لتبدأ “الوردية الثانية” من رعاية الأبناء، وإعداد الطعام، ومتابعة تفاصيل البيت.
هذا التراكم قد يتحول سريعًا إلى إجهاد عصبي يظهر في صورة عصبية زائدة، صداع، نسيان، تشتت، أو حتى شعور بالبكاء دون سبب واضح.
وبين الواجبات المهنية والأسرية، تحتاج الأم إلى خطة واعية تحمي طاقتها النفسية والجسدية، وتمنحها يومًا متوازنًا لا يخلو من الرحمة بالذات.
لماذا يزداد الإجهاد العصبي في الصيام؟أوضحت خبيرة العلاقات ومدربة الحياة شيرين محمود، أن الإجهاد العصبي لا ينتج فقط عن كثرة المهام، بل عن غياب التوازن بين “المجهود” و”التعويض”.
وفي الصيام ينخفض مستوى السكر في الدم خلال النهار، ويقل شرب الماء، ما قد يؤثر على التركيز والمزاج.
ومع قلة النوم بسبب السحور أو السهر، يصبح الجهاز العصبي أكثر حساسية للمثيرات.
كما أن ضغط التوقعات يلعب دورًا مهمًا؛ فبعض الأمهات يضعن لأنفسهن قائمة مثالية: عمل متقن، منزل مرتب، مائدة إفطار متنوعة، وأبناء في أفضل حال.
هذا السعي للكمال مع الصيام يخلق احتراقًا داخليًا صامتًا.
وتلفت مدربة الحياة، إلى أن هناك بعض الإشارات التي يجب الالتفات لها، ومنها ما يلي:
صداع متكرر أو ثقل في الرأس قبل الإفطار.
سرعة الانفعال مع الأبناء أو الزوج.
رغبة في العزلة بعد العودة من العمل.
نسيان المهام أو صعوبة اتخاذ قرار بسيط.
هذه الإشارات ليست ضعفًا، بل رسالة من الجسد: “أحتاج إلى تنظيم مختلف”.
أولًا: خطة غذائية ذكية ليوم متوازن.
التغذية في رمضان ليست مجرد أطباق شهية، بل أداة لحماية الجهاز العصبي.
1.
الإفطار: استعادة هادئة للطاقة.
ابدئي بكوب ماء فاتر مع تمرتين فقط، لتجنب الارتفاع المفاجئ في السكر.
بعد صلاة المغرب، تناولي شوربة خفيفة (خضار أو عدس) لدعم السوائل والمعادن.
الطبق الرئيسي يُفضّل أن يحتوي على:
مصدر بروتين واضح (دجاج، سمك، لحم خفيف).
كربوهيدرات معقدة بكمية معتدلة (أرز بني أو بطاطس مسلوقة).
تجنّبي المقليات بكثرة؛ لأنها ترهق الهضم وتزيد الشعور بالخمول، ما يضاعف التوتر العصبي.
2.
بين الإفطار والسحور: دعم الأعصاب.
حفنة مكسرات غير مملحة (مصدر ممتاز للمغنيسيوم الداعم للأعصاب).
مشروب دافئ مهدئ مثل اليانسون أو البابونج.
احرصي على شرب الماء مقسمًا على فترات، وليس دفعة واحدة.
السحور المتوازن يقلل العصبية خلال النهار.
اجعليه غنيًا بالبروتين والألياف:
ابتعدي عن السكريات العالية في السحور؛ لأنها تسبب هبوطًا سريعًا في الطاقة في منتصف النهار.
ثانيًا: خطة حياتية لتنظيم اليوم وتقليل الضغط.
لا تحاولي إنجاز كل شيء يوميًا.
حددي ثلاث مهام أساسية فقط لليوم، وما زاد عنها يُعتبر إنجازًا إضافيًا.
هذه الطريقة تقلل الشعور بالفشل وتمنحك إحساسًا بالسيطرة.
بدلًا من التفكير في “كم ساعة أعمل؟ ” اسألي: “متى أكون أكثر تركيزًا؟ ”.
ضعي المهام التي تحتاج تركيزًا في الفترة الصباحية (إن أمكن)، واتركي المهام الروتينية للفترة الأقل نشاطًا.
بعد العودة من العمل، لا تنتقلي مباشرة للمطبخ.
خذي عشر دقائق:
أغمضي عينيك مع تنفس عميق (4 ثواني شهيق – 4 ثواني احتفاظ – 6 ثواني زفير).
أو توضئي بهدوء استعدادًا للصلاة.
هذه الدقائق تعيد ضبط الجهاز العصبي وتمنع الانفجار قبل الإفطار.
رمضان فرصة لتعليم الأبناء المسؤولية.
يمكن تقسيم المهام:
المشاركة لا تخفف العبء فقط، بل تخلق روح تعاون تقلل شعور الأم بالوحدة في المسؤولية.
حتى لو تعذر النوم لعدد ساعات طويل، حاولي الحصول على قيلولة قصيرة (20–30 دقيقة).
هذه الدقائق تُحسن التركيز وتخفف التوتر بشكل ملحوظ.
تقبّلي أن طاقتك أقل من المعتاد: الصيام عبادة، وليس موسمًا لاستعراض الكفاءة.
خففي التوقعات المثالية: ليس ضروريًا إعداد خمسة أصناف يوميًا.
اكتبي ما يزعجك في مفكرة صغيرة بدل تفريغه في صورة عصبية.
اربطِي المهام بالنية: حين يتحول العمل المنزلي إلى نية عبادة، يقل الإحساس بالاستنزاف.
نموذج ليوم متوازن للأم العاملة في رمضان.
قبل العمل: سحور متوازن + كوب ماء إضافي.
أثناء العمل: تقليل الاحتكاكات غير الضرورية، وأخذ دقائق تنفس عند الشعور بالضغط.
بعد العودة: 10 دقائق راحة صامتة.
بعد التراويح أو قبل النوم: تحضير بسيط لليوم التالي لتقليل توتر الصباح.
قبل النوم: إطفاء الهاتف قبلها بنصف ساعة لتحسين جودة النوم.
الإجهاد العصبي للأم العاملة في رمضان ليس دليل ضعف، بل نتيجة طبيعية لتعدد الأدوار مع قلة التعويض.
الحل لا يكمن في مضاعفة الجهد، بل في إدارة الطاقة بذكاء، وتغذية تدعم الأعصاب، وتنظيم واقعي يراعي حدود الجسد.
رمضان ليس اختبارًا لتحمل الألم، بل مساحة للسكينة.
وكل أم تمنح نفسها قدرًا من الرحمة، ستجد أن بيتها أكثر هدوءًا، وأبناءها أكثر استقرارًا، وقلبها أقرب إلى الطمأنينة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك