تتزايد المخاوف في ألمانيا بشأن مساحة التقارب المتزايدة بين حزب البديل من أجل ألمانيا وحركة" لنجعل أميركا عظيمة مجدداً (ماغا) التي يتبناها الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
، بعدما بدأت تؤتي التدخلات الأميركية في الانتخابات الألمانية التي ستشهدها عدد من الولايات في العام الحالي ثمارَها، وأولها الشهر المقبل في كل من بادن فورتمبيرغ وراينلاند بفالس، وستكون نتائجها مهمة وذات دلالات سياسية.
هذا الواقع، دفع بأحزاب تقليدية في البلاد إلى توجيه تحذيرات شديدة اللهجة إلى واشنطن بضرورة النأي بنفسها عن الانتخابات الألمانية والأوروبية، ومطالبين الاتحاد الأوروبي بتشديد الرقابة بعدما خلقت" ماغا" أرضية مشتركة مع الأحزاب اليمينية المتطرفة، وأضحت أكثر تناغماً معها مما يمكن أن يتصوره البعض.
التدخل الأميركي في الانتخابات الألمانية.
وفي ظلّ هذه المعطيات، عُقد اجتماع مغلق لقيادة الحزب الاشتراكي قبل أكثر من أسبوع في برلين، وتبنت اللجنة التنفيذية قراراً شاملاً بشأن السياسة الخارجية والأمنية، ولردع الولايات المتحدة من التدخل في الانتخابات الألمانية والأوروبية، مع التهديدات بعواقب وخيمة ومكلفة في حال تقديم أي دعم انتخابي لحزب" البديل" من الخارج، ويجب أن يكون ذلك محظوراً.
في السياق أيضاً، قال رئيس لجنة الرقابة على الاستخبارات في البوندستاغ كونستانتين فون نوتز والمنتمي إلى الخضر، إن تدخّل بلدان أخرى في الانتخابات الألمانية المقبلة سيناريو وارد.
وبيّن في حديث مع صحيفة هاندلسبلات أخيراً، أن ألمانيا شهدت محاولات تأثير في الأشهر والسنوات الأخيرة، وتمكن المكتب الاتحادي لحماية الدستور (الاستخبارات الألمانية) من تحديد بعض هذه التدخلات غير المشروعة في الانتخابات الألمانية المقبلة، والتوقعات بأن تزداد مستقبلاً وسط الخشية من أن تبدل الخرائط السياسية.
هندريك غيستروك: الدعم الأميركي للقوى اليمينية تحدّ مباشر لسيادة الدول الأوروبية.
وفي وقت لا تقتصر فلسفة" ماغا" على أميركا فحسب، وتمتد لتشمل بلداناً أوروبية أخرى، قال عضو الهيئة الإدارية للاشتراكي في ولاية سكسونيا السفلى هندريك غيستروك لـ" العربي الجديد"، إن هذه التحذيرات تنبع من تنامي النفوذ السياسي لواشنطن في الحملات الانتخابية والسياسات الحزبية، من خلال المؤتمرات المتبادلة والحفاوة والتكريمات التي يلقاها سياسيو" البديل" في احتفالات" ماغا"، عند زياراتهم للولايات المتحدة، وذلك رداً على توجهات السياسة الخارجية والاجتماعية للإدارة الأميركية في عهد ترامب، والتوجس من أن تقود تدخلات هذه القوى إلى تقسيم القارة، بدلاً من تقويتها.
وأشار في هذا المجال إلى شخصيات أميركية أمثال إيلون ماسك، والتي تسعى إلى بناء مجتمع أوروبي على غرار المجتمع المجري الذي يقوده فيكتور أوربان المؤيد لترامب وللرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
، أو ما يحصل في إسبانيا وبريطانيا.
وذكر غيستروك، أنه تم بعد الاجتماع استصدار وثيقة من سبع صفحات بعنوان" ردات فعل واشنطن على النظام العالمي الجديد"، وتضمنت عدة نقاط أبرزها، أن" توضح ألمانيا وأوروبا بشكل قاطع أن التدخلات في الحملات الانتخابية، أو تمويل الجماعات السياسية أو التشكيك في سلامة الأراضي الألمانية يعد تجاوزاً واضحاً للخطوط الحمراء وسيقابل بمقاومة حازمة".
إضافة إلى ذلك، ينبغي اتخاذ تدابير شاملة وبشكل منهجي، بما في ذلك من خلال قضاء مستقل وبجمع معلومات استخبارية أكثر فعالية، وخلق مزيد من الشفافية في تمويل الأحزاب المتطرفة وحملاتها الانتخابية.
حتى إن الورقة أبرزت أن دعم الادارة الأميركية المعلن للقوى الشعبوية اليمينية في أوروبا، بزعم إصلاح الديمقراطيات الهشة، يشكل تحدياً مباشراً لسيادة الدول الأوروبية وسلامة نظمها السياسية.
بدوره، أوضح الباحث في الشؤون السياسية الأوروبية نوربرت ديركسن، في حديث مع" العربي الجديد"، أن استراتيجية الأمن القومي الأميركي الجديدة التي تم نشرها في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، تدافع فيها إدارة ترامب بقوة عن أحزاب اليمين المتطرف في أوروبا.
ووفقاً للاستراتيجية تتمثل إحدى الأولويات في تعزيز المقاومة داخل الدول الأوروبية ضد المسار الحالي لأوروبا، وهذا واضح مثلاً في الاتصالات القائمة بين" ماغا" والدعم النشط لليمين الشعبوي في ألمانيا.
وعن كيفية مقاربة الوضع على الأرض قبل فوات الأوان، اعتبر ديركسن أن هناك مراحل لا يشير فيها التقارب السياسي إلى القوة، بل إلى التبعية، وهذا ما يعيشه" البديل" حالياً وأقرانه من اليمين المتطرف الأوروبي بحماستهم لحركة" ماغا".
وما بدأ تعاطفاً تكتيكياً تحول إلى خضوع فكري.
وأضاف: المخزي أن هذه الشريحة من اليمين الألماني في مرحلة تناغم مع ترامب، فهم يسقطون تطلعاتهم وصراعاتهم العالقة وعوائقهم الاستراتيجية على جهة أجنبية، متجاهلين حقيقة أن أفعاله لا تصب في مصلحة أوروبا ولا تناسبها.
وهذا ليس فقط غير حكيم سياسياً إنما خطير استراتيجياً أيضاً، وعلى" البديل" النأي بنفسه لأن التمسك أو استيراد أفكار أجنبية هدامة، شيء مخز.
ولفت ديركسن إلى أنه من المفيد التذكير بأن معسكر" ماغا" يشهد تدهوراً داخلياً، وعلى الصعيد الاقتصادي استفاد منها بالدرجة الأولى كبار المانحين وشبكات المحافظين الجدد والدوائر المقربة للقيادة.
ولم يعد التواطؤ الصارخ مع الشركات الكبرى وجماعات الضغط اليهودية والإسرائيلية خافياً على أحد، بل يحتفى به بوصفه دليلاً على" القوة"، وثمن ذلك هو نفور الناخبين الذين يحلمون بتجديد اجتماعي أو وطني حقيقي.
وتابع: بالتالي، على اليمين الشعبوي الألماني التخلي بوعي عن" ماغا"، وانطلاقاً من إدراكه أن الشعوب التي لا تمثل نفسها تخضع لحكم الآخرين.
والأهم أن محاولة اليمين الأميركي تقويض الاتحاد الأوروبي الذي بني بعناية فائقة، لن يستفيد منه إلا شخص واحد وهو فلاديمير بوتين، وسيكون ذلك في الوقت نفسه النتيجة الأكثر عبثية للعلاقات عبر الأطلسي.
نوربرت ديركسن: المخزي أن شريحة من اليمين الألماني في مرحلة تناغم مع ترامب.
وتماشياً مع ذلك، قال المتحدث باسم كتلة الاشتراكي الديمقراطي أديس حميدوفيتش لصحيفة هاندلسبلات، أخيراً، إن" ترامب وحاشيته المقربة يحافظون على تقارب خطير مع البديل، والعكس صحيح.
ويجب حماية ألمانيا والاتحاد الأوروبي من ذلك".
وأضاف: " ليس سراً أن ترامب والبديل وأمثالهم يسعون إلى تقسيم قارتنا واستبدالها بنظام استبدادي.
ولذلك، يجب على الحكومة الألمانية والأحزاب الحاكمة إيجاد شركاء جدد في الولايات المتحدة وتعزيز القوى الليبرالية القائمة"، مؤكداً أن" ماغا خصم واضح".
في الإطار، نقل موقع أولدنبورغ أونلاين تسايتونغ، الثلاثاء الماضي، عن منسق الحكومة الألمانية لشؤون العلاقات عبر الأطلسي ميتين هاكفردي، المنتمي إلى الاشتراكي، أن ممثلي" البديل" يقومون بتشويه سمعة ألمانيا في الولايات المتحدة، ويتبنون توجهات معادية لأوروبا داخل الإدارة الأميركية، ويحاولون استمالة الرأي العام من خلال التذرع بحروب ثقافية وإجراء مقارنات فجة مع القضايا الداخلية الأميركية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك