الصداع هو من أكثر الأمراض شيوعا، ولكنه من أقل الأمراض فهما على الرغم من كثرة المصابين به من الناس في هذه الأيام، ولا تكاد حياة أي فرد منا تخلو من الإصابة بهذه المشكلة الطبية.
وإن مجرد حبتين من الأسبرين أو ما شابهها من العقاقير تكفي بأن تذهب بالآلام عن الكثير من الناس، ولكن البعض الآخر من الناس يكون ألم الرأس ملاصقا وماسكا برأسه ويلازمه مدة ساعات مؤلمة طويلة، ويكون الصداع لهؤلاء الأفراد شديدا ومزمنا ومتكرر الحدوث لدرجة أن الصداع يكاد يحطم حياة المصاب به، ويغير من نظام حياة المكابد لهذا المرض؛ فمثلا الخروج العائلي إلى أماكن سبق الترتيب لها يمكن أن يُلغى ويحصل شيء من الرداءة في أداء العمل، كما تحصل هناك اضطرابات في النوم، ويمكن أن تصل العلاقات مع الأصدقاء وغيرهم إلى درجة القطيعة بسبب انطواء المريض.
وعلى الرغم من كل هذه الآلام ونتائجها الوخيمة فإن معظم المصابين بهذا المرض يعانون ويكابدون في صمت وفي عزلة عن الناس؛ لأنهم لا يريدون أن يأخذ الناس عنهم فكرة بأنهم ضعاف أو أن تكرار إصابتهم بهذا المرض تعود إلى ضعف في بنيتهم الجسمية أو مناعتهم أو لأن عندهم ظروفا نفسية أو اجتماعية؛ فهذه الأفكار أو المفاهيم عن المريض بالصداع تؤدي إلى عزلة المريض وكتمان آلامه في عزلته.
يلجأ المصابون بتكرار حدوث الصداع إلى التهام كثير من المسكنات والمهدئات ضد الآلام وربما بجرعات عالية جدا، وقلة من المصابين بالصداع المزمن لا يلجؤون لطبيبهم الخاص قبل استعمال هذه المسكنات.
ومن الطبيعي والمنطقي أن المصاب بالصداع المزمن يخامره الشك والقلق بأنه يمكن أن يكون مصابا بورم في المخ، ولكن من الحقائق المريحة أنه نادر جدا أن يكون الصداع المزمن ناتجا عن مرض مهدد للحياة كسرطان المخ، ما عدا في حالات نادرة.
إن الصداع والصداع النصفي عادة يمكن أن يُعزى حدوثه إلى حالة حميدة، أي ليست مستعصية، ويمكن علاجه بالعقاقير الطبية الصحيحة.
ولقد حصل هناك تقدم ملموس في السنوات الأخيرة في كيفية فهم الصداع، وفي تكنولوجيا تشخيص المرض وعلاجه، وقد نجحت بعض الأدوية وكذلك اتباع نظام غذائي معين في كثير من الأحيان في جعل الصداع أو أوجاع الرأس، مشكلة يمكن حلها أو إبعاد بعض الاحتمالات الوخيمة؛ فمثلا التخطيط الدماغي (CTSCAN) أو التصوير بالتردد المغناطيسي (MRI) يمكن استعمالهما لكي نبعد ظنون كثير من الاحتمالات، مثل الاضطرابات العصبية في المخ التي يمكن أن تكون سببا أو احتمالا واردا لبعض آلام الرأس.
ومن المهم أن نؤكد هنا أن هناك أنواعا مختلفة للصداع تقلق المريض حتى لو كانت نتائج التصوير الدماغي سليمة وطبيعية؛ ولذلك يجب بل يتحتم الرجوع إلى طبيب صداع مختص لكي يقع على مكامن ونوع الصداع، ويمكن بالتالي تقديم العلاج المناسب له.
الصداع النصفي أو ما يسمى بالشقيقة هو أكثر الإصابات شيوعا وتكرارا في إصابات الصداع أو أوجاع الرأس.
وأعراض الشقيقة وآلامها متميزة كما أن العلاج منها محدد وخاص جدا للمرض.
وهذا هو السبب الرئيس الذي دعاني لأن أكتب هذا المقال لكي أكون عاملا مساعدا في تعريف مرض الشقيقة للمصابين به أو لأولئك الذين عندهم أحد من أقربائهم أو إنسان عزيز مصاب بأوجاع الرأس؛ فهذا المقال يلقي بعض الضوء على مرض الشقيقة لأساعدهم للحصول على العلاج الناجح والمناسب بعون الله وإرادته.
نحن معرضون للإصابة بأوجاع الرأس أو الصداع من وقت لآخر، ولكن هذا لا يعني أننا مصابون بالشقيقة.
ويجب ألا يُعتقد بأن كلمة الشقيقة (MIGRAINE) هي اسم حديث أطلق على الصداع من باب اسم عصري لمرض قديم.
لا، ولكن الشقيقة اسم نوع من أنواع الصداع، وبكل بساطة يمكن تعريفها بأنها ألم بالرأس وبجانب واحد من الرأس، ويكون من النوع القارع أو النابض أو يشعر الإنسان به وكأن أحدا يضرب في الرأس من الداخل، ويصاحبه تقيؤ ودوران (دوخة).
والشقيقة خلل مألوف يصيب حوالي 20 % من السكان تقريبا.
ولقلة فهم هذا المرض والمفاهيم التقليدية الخاطئة فإن هذا المرض لم يحظَ بالقدر الكافي من الجهد لتشخيصه وفهمه وعلاجه؛ فأقل من ثلث المصابين بالشقيقة يقومون بزيارة الطبيب للعلاج من صداعهم، وأكثر المصابين يعالجون أنفسهم بأنفسهم بالمسكنات والعقاقير الشعبية.
تتميز آلام الشقيقة بأنها تحصل في الرأس، ومتكررة الحدوث، ويشعر المصاب بها وكأن هناك قرعا مطرقيا أو نبضا مؤلما في داخل رأسه.
يبدأ الألم ببطء ويتنامى تدريجيا إلى الذروة، وتصاحب هذه الآلام الدماغية دورة (دوخة) وتقيؤ، وشعور بالضيق وعدم حب الضوء والأصوات، والرغبة في النوم مع عدم القدرة على النوم.
وألم الرأس يكون غالبا في جهة واحدة من الرأس أي يأخذ جانبا واحدا، أو نصفا واحدا، ولذلك سمي بالصداع النصفي، أو شِقا واحدا، ولذلك أطلق عليها الشقيقة.
ويكون الألم غالبا حول العينين والصدغين، ويشعر المريض بأن رأسه يكاد ينفجر عليه وعينه تكاد تخرج من مكانها.
التقيؤ يجعل المريض يشعر بتحسن طفيف، ولا يحب المريض أن يحصل على الإزعاج من حوله، كما يقل تركيز المريض مع رغبة ملحة في أخذ مسكنات ومهدئات للآلام والركون إلى الهدوء في غرفة مظلمة مسدلة الستائر حتى يأتي الفرج ويزول الألم، ويكون بعدها المريض متعبا ومنهك القوى.
وهذا الفصل الدرامي المؤلم يستغرق مدة تتراوح من 4 ساعات إلى يومين أو أكثر في بعض الحالات، إلا إذا أخذ المصاب أدوية خاصة بهذا المرض.
وهناك نوع من الشقيقة أكثر حدوثا وشيوعا وهو النوع الذي يسبق حدوثه رؤية المصاب أو المريض “زغللة” أو عدم وضوح في الرؤية، ويرى خطوطا متكسرة أو متعرجة أمام عينيه أو أنوارا ساطعة مدة 15 إلى 30 دقيقة قبل الإصابة الفعلية بالشقيقة.
وبالإضافة إلى هذا الصداع القارع أو النابض هناك أعراض أخرى عديدة لا يسعني أن أذكرها هنا تساعد على استنتاج الإصابة بالشقيقة.
والشقيقة كذلك خلل صحي يصيب النساء بصورة أكثر شيوعا، ومحتمل أن يكون السبب لهذه الظاهرة هو التغير الهرموني الذي يحدث للنساء في دورتهن الشهرية؛ ولذلك فهي غالبا ما تصيب بعض النساء قبل دورتهن الشهرية.
والشقيقة يمكن أن تصيب الأطفال كذلك، ولكنها أكثر حدوثا في الشباب البالغين وقليلة الحدوث في كبار السن، وتكرار حدوثها يكون مختلفا باختلاف الناس وطرق أكلهم وعاداتهم اليومية.
ويمكن أن نصنف الشقيقة حسب أسبابها وماهي مسببات إصابتها للناس الذين لديهم القابلية للإصابة بها:
- بعض الأكلات اليومية: مثل الجبن والشكولاتة ومنتجات الألبان أو أكلات تحتوي على”Mono Sodium Glutamate”، أي أملاح كلوتومات أحادي الصوديوم، ولذلك يتحتم على مصانع تعليب المأكولات أن تذكر جميع مكونات ومحتويات الوجبة المعلبة بشكل دقيق وتام، كذلك تعد بعض المشروبات مثل الكحول والنبيذ من مسببات الصداع النصفي.
عادات حياتية غير منظمة: فمثلا عدم تناول الأطفال لوجبة الفطور ومغادرتهم إلى المدرسة أو تناولهم لوجبة الغداء بطريقة سريعة يمكن أن تؤدي إلى حدوث الشقيقة.
ومن الملاحظ أنه بينما تحدث الشقيقة لبعض الناس في بعض أيام الأسبوع كنهاية الأسبوع مثلا، فالأغلبية من الناس تحصل لهم عندما يذهبون إلى خارج البيت ويتعرضون للشمس أو تحصل لهم خلال أيام الصوم.
ونادرا ما تحصل الشقيقة من غير سابق إنذار، وتبدأ عند بعض الناس بصداع وغثيان وتقيؤ حتى في الصباح الباكر.
حتى الآن لم يتوصل الباحثون إلى السبب الحقيقي وراء حدوث الشقيقة، ولماذا تحدث.
ويعتقد بعض الأطباء والفيسيولوجيين أن السبب هو حدوث تضيق للأوعية الدموية التي تحيط بالمخ ما يسبب الآلام القارعة في الرأس، وكذلك التغير في المواد الكيميائية أو ما يسمى علميا بالرسل الكيميائية، خصوصا مادة السيروتونين، وهي مادة تلعب دورا مهما في حدوث الشقيقة.
ولكن بعض البحوث أدت إلى اعتقاد بعض العلماء والأطباء بأن الصداع النصفي يرجع إلى خلل بيولوجي في وظائف المخ، وأنه لا يُعزى إلى حالات نفسية، والكلمة الأخيرة لم تزل تحت الدراسة والبحث.
إن علاج الشقيقة تغير تغيرا ملحوظا في السنوات العشر الأخيرة.
والكثير من الأدوية المحددة والخاصة تم اكتشافها اليوم.
والهدف في علاج الشقيقة هو التقليل من تكرار حدوثها، والتقليل من شدتها ودرجة آلامها ومدتها، ولأن هناك أسبابا كثيرة في حدوثها فمن غير المعقول أن نتوقع علاجا 100 % للشقيقة، ولذلك يجب تحديد سبب الشقيقة بالضبط لكي نقترب من وضع علاجات فعلية لها، وهذا يحتم على المصاب بالشقيقة أن يقضي وقتا كافيا مع الطبيب المختص بآلام الصداع ليناقش مرضه بعناية وإسهاب، وبعد ذلك يمكن التوصل إلى الحل الأمثل.
وعندنا نحن الآن أدوية وعقاقير أفضل بكثير من ذي قبل تقلل من شدة المرض ومدته، وباستعمال عقاقير اليوم فإن الأطباء قد توصلوا إلى نتائج تحسن لما يقارب 60 - 70 % من حالات الشقيقة الحادة.
إن الشقيقة الخفيفة يمكن التغلب عليها بمسكنات ومهدئات أو باتباع نظام معين في الأكل، أو الاسترخاء، أو عدم القلق أو عدم الغضب من كل شيء أو تغيير طريقة المعيشة.
ولكن لتلك الحالات الحادة والشديدة من الشقيقة فإن مشتقات ما يسمى بأدوية “ERGOT” هي الأدوية الرئيسة المستعملة ضد الشقيقة حاليا.
وهناك عقار يسمى “SUMATRIPTAN” (سوماتربتن) هو آخر دواء مقترح لهذا المرض ويستعمل كحبوب أو كحقنة، وإذا كان تكرار حدوث الشقيقة مستمرا فإنه من المنصوح به طبيا لمعالجة الشقيقة الحادة (أي التي تحصل فجأة) أن يأخذ المريض أدوية وقائية يوميا لكي يقلل من تكرار حدوث المرض، ولكن يجب على المريض أن يراجع الطبيب أولا في اختيار هذه الأدوية الوقائية وطريقة استعمالها وجرعتها.
ختاما فإن مرض الشقيقة هو الأكثر انتشارا والأقل فهما من قبل الأطباء والناس من كل أمراض الصداع عامة، ولم يحصل هذا المرض على التعريف الشامل به للناس أو على الانتباه الكافي.
وقد اعتقد في أغلب الأحيان بأنه مرض ناشئ من اضطرابات نفسية.
والمصابون بالشقيقة الذين يعانونها لا يتحتم عليهم أن يعيشوا مع الألم واليأس والغم والهم والضيق، ولكن على العكس يجب عليهم أن يبحثوا عن العلاج الناجح وطريقة الحياة التي تبعث في نفوسهم السرور وتذهب عنهم الضيق والغم؛ لذلك على أولئك الأشخاص الذين يعانون صداعا مزمنا أو صداعا متكرر الحدوث أو صداعا في منطقة معينة في الرأس أو صداعا لا يتأثر بالأدوية أو المسكنات، عليهم مراجعة أخصائيي الصداع أو أخصائيي أوجاع الرأس الذين يملكون الوقت والمعرفة والاهتمام والتقنية لطمأنة المريض من أسباب المرض وخفاياه، وسوف يقومون بتقديم النصيحة الصحيحة للمريض.
وعلى الرغم من أن الأطباء لا يملكون العلاج الكامل 100 % للشقيقة اليوم، إلا أن الأمل كبير جدا في المستقبل القريب في اكتشاف أدوية وعلاجات أكمل لهذا المرض المزمن الذي أزعج البشر قرونا طويلة مضت.
* عضو هيئة التدريس بجامعة الخليج العربي - كلية الطب والعلوم الصحية - قسم الفسيولوجيا - عضو جمعية السكري البحرينية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك