منذ انطلاق الجهد الدولي الّذي تقوده الولايات المتّحدة من أجل الانتقال إلى مرحلة بلورة واقعٍ جديدٍ في قطاع غزّة، تؤكّد جلّ الوقائع المتراكمة أنّ ما يراود الحكومة الإسرائيلية، ورئيسها بنيامين نتنياهو في الوقت الحالي يتجسّد في" أملٍ واحدٍ ووحيدٍ" فحواه أن يبوء مسعى الولايات المتّحدة لبلورة واقعٍ سياسيٍّ وأمنيٍّ جديدٍ في القطاع بالفشل، بما يمهّد الطريق للعودة إلى الحرب، حسبما أكّد المحلّل العسكري لصحيفة" هآرتس"، عاموس هرئيل، في ما يمكن اعتباره مؤشّراً واحداً من مؤشّراتٍ قويةٍ على أنّ نتنياهو غير متحمّسٍ بتاتاً لنجاح المرحلة الثانية من" خطّة الرئيس دونالد ترامب" بشأن قطاع غزّة، وقد يكون فشلها أقلّ كلفةً له سياسياً من نجاحها.
وهي الخطّة الّتي بادر إليها الرئيس الأميركي دونالد ترامب في أكتوبر/تشرين الأول 2025، وتمّت المصادقة عليها بقرار مجلس الأمن رقم 2803 في نوفمبر/تشرين الثاني.
كما أعلن ترامب إنشاء" مجلس السلام" الدولي، وتعيين الجنرال الّذي سيتولى قيادة قوّة الاستقرار الدولية، المسؤولة عن الاستقرار الأمني في القطاع، كما كشف عن أسماء أعضاء المجلس.
ولا يبدو نتنياهو راغباً في نجاح المرحلة الثانية من خطة ترامب لقطاع غزة لأنّها تعني الانتقال من حالة الحرب الممتدّة إلى ترتيبات الحكم، وإعادة الإعمار، والضمانات الدولية، فضلاً عن دورٍ ما للسلطة الفلسطينية.
ويتعارض هذا كلّه مع خطاب نتنياهو القائم على الحسم العسكري من جهة، وعلى رفض أيّ مسارٍ يُستشفّ منه حلٌّ سياسيٌّ لقطاع غزّة من جهةٍ أخرى.
كذلك يعني أيّ تقدّمٍ فعليٍّ في المرحلة الثانية تقليلَ السيطرة العسكرية الإسرائيلية، وإدخال أطرافٍ فلسطينيةٍ ودوليةٍ لإدارة قطاع غزّة، وهذا من شأنه أن يؤدّي إلى اندلاع أزمةٍ مع حلفاء نتنياهو من اليمين الإسرائيلي المتطرّف، وربّما يسبّب إسقاط الحكومة.
وأيّ تسويةٍ لا تفكّك حماس؛ التنظيم الحاكم والمسلّح؛ ستتحوّل إلى مرحلةٍ انتقاليةٍ في إعادة بنائها، وإذا انتهت المرحلة الثانية وحماس لا تزال مسلّحةً، منظّمةً، ومموَّلةً، فإنّ الجولة المقبلة لن تكون فشلاً للتسوية، بل نتيجتها الحتمية.
وتشي متابعة الجدالات في إسرائيل بأنّ حكومة نتنياهو لا تخوض نقاشاً استراتيجياً حول قطاع غزّة، بل يتمحور نقاشها حول البقاء بالأساس.
وتتّفق تقديراتٌ كثيرةٌ في إسرائيل على أنّه حتّى لو اتّسم الموقف المعلن لنتنياهو حيال الخطّة بالدعم الكلامي إلّا أنّ ذلك مُرفق طوال الوقت بالتعطيل العملي.
وبعبارةٍ أخرى فإن نتنياهو لا يرغب في أن يُتّهم بإفشال الخطّة، ولكنّه لا يريد أن تنجح فعلياً.
كما تجدر الإشارة إلى أنّ انضمام إسرائيل إلى" مجلس السلام"، الّذي شكّله ترامب كان متوقّعاً، بحسب ما أكّدت ورقة تقدير موقفٍ صادرةٌ عن" معهد أبحاث الأمن القومي" في جامعة تل أبيب، سواءً بسبب طبيعة علاقات حكومة نتنياهو مع إدارة ترامب، أو بسبب التأثير المباشر لهذا المجلس في مصالح إسرائيل الحيوية.
كذلك تشدّد تحليلاتٌ كثيرةٌ على أنّ إسرائيل تفضّل هذا المجلس، مقارنةً بمؤسسات الأمم المتّحدة الّتي اعتادت" اتّخاذ مواقف معادية لإسرائيل" في عرفها، وربّما يشكّل وزناً موازياً لأطرٍ دوليةٍ تفرض قيوداً وعقوبات؛ إن لم يتحوّل إلى بديلٍ حقيقيٍّ عن الأمم المتّحدة.
وفي ما يخصّ قطاع غزّة، يمنح انضمام إسرائيل إلى المجلس قدرةً على التأثير في تصميم آليات الأمن وإدارة القطاع، مع محاولة تقليص ما تروّجه من قائمة المخاطر الأمنية- العملياتية، والحفاظ على قناة تنسيقٍ مباشرةٍ مع الولايات المتّحدة.
في ضوء ذلك كلّه فإنّ أبرز ما يثور هو سؤالٌ بشأن ماهيّة الاحتمالات المقبلة.
بمتابعة ما يُنشر في إسرائيل، سواء على لسان السياسيين أو المحللين، فإنّ أكثر ما يلفت النظر بهذا الصدد هو تأكيد أنّ احتمال عودة إسرائيل إلى القتال يبقى مرتفعاً، بحسب ما يؤكّد مثلاً المؤرّخ الدكتور هرئيل حوريف، وهو خبيرٌ في المجتمع الفلسطيني وباحثٌ في" معهد دايان لأبحاث الشرق الأوسط" في جامعة تلّ أبيب، في سياق مقاله في موقع قناة التلفزة الإسرائيلية 12 (2026/1/30)، مشيراً إلى أنّ الفجوة بين مطالب إسرائيل والولايات المتّحدة في المرحلة الثانية، وبين ما تستعدّ حركة حماس إلى تقديمه فعلياً، غير قابلةٍ للجَسر، وهنا توجد نقطةٌ غالباً ما تُهمَل برأيه، وهي أنّه لا يكفي نزع سلاح حماس، بل يجب أن تشمل المرحلة الحاليّة التفكيك الحقيقي لقدرتها العسكرية والسلطوية، وحلّ بنيتها التنظيمية بالكامل، الرسمية وغير الرسمية، من الكتائب والسرايا العسكرية، إلى البلديات وشبكات الدعم الاجتماعي والدعوي؛ فمن دون ذلك، لا توجد إعادة إعمار، ولا تفكيكٌ كاملٌ للأنفاق، ولا عمليات" نزع تطرّف" حقيقية، وهي أمورٌ لا يمكن أن تنجح إلّا في بيئة استقرارٍ طويلة الأمد، لا مصلحة لحماس، بوصفها حركةً جهاديةً عقائديةً، في بقائها، بعد أن تنتهي من إعادة بناء قوتها.
ويعتقد حوريف أنّه منذ زيارتي نتنياهو الأخيرتين إلى الولايات المتّحدة، تصاعدت نبرة التهديد الأميركية، مع تحذيرٍ صريحٍ بأن حماس ستُمنح شهوراً قليلةً فقط في المرحلة الثانية لنزع سلاحها.
ومن ثمّ فإنّ السؤال ليس عمّا إذا كانت الحرب ستعود، بل متى، وبأيّ شدة؟ وأيّ تسويةٍ لا تفكّك حماس؛ التنظيم الحاكم والمسلّح؛ ستتحوّل إلى مرحلةٍ انتقاليةٍ في إعادة بنائها، وإذا انتهت المرحلة الثانية وحماس لا تزال مسلّحةً، منظّمةً، ومموَّلةً، فإنّ الجولة المقبلة لن تكون فشلاً للتسوية، بل نتيجتها الحتمية.
وهو ما سبق أن أكّده الدكتور يارون فريدمان، أستاذ دراسات الشرق الأوسط والإسلام في جامعة حيفا، الّذي أشار هو أيضاً إلى أنّ استمرار الحرب في قطاع غزّة حتميٌّ في ضوء أنّ حماس ما زالت رافضةً لنزع سلاحها.
وبموجب ما تؤكّد مصادر حكومة نتنياهو، لم يتحقق بعدُ اثنان من أصل ثلاثة أهدافٍ للحرب في قطاع غزّة: الهدف المتعلق بتدمير بنى حماس والجهاد الإسلامي التحتية العسكرية والسلطوية، والهدف الّذي يرمي إلى ضمان ألّا يشكّل قطاع غزّة تهديداً طويل الأمد لمواطني إسرائيل.
وفي رأيها يؤمن الرئيس ترامب إيماناً كاملاً بإمكان تحقيق هذا الهدف بالكامل عبر المسار الدبلوماسي لذا من الأجدى انتظار نجاح هذا المسار، وفي الوقت عينه يجب الاستعداد، عسكرياً وسياسياً، لاحتمال انهيار هذا المسار، وعندها، وبدعمٍ أميركي، يجب العمل على تحقيق أهداف الحرب، جزءًا من" واجب الحفاظ على أمن إسرائيل القومي".
تتّفق تقديراتٌ كثيرةٌ في إسرائيل على أنّه حتّى لو اتّسم الموقف المعلن لنتنياهو حيال الخطّة بالدعم الكلامي إلّا أنّ ذلك مُرفق طوال الوقت بالتعطيل العملي.
كما يلفت النظر أنّ إسرائيل لا تقيم وزناً لأي ضغوطٍ من الخارج، بل تدير ظهرها للعالم كلّه، والاعتقاد السائد لديها، مثلما ورد على لسان أحد المصادر رفيعة المستوى، والمقرّبة من نتنياهو، أنّ حركة حماس معزولةٌ اليوم عن العالم كلّه، وحتّى في العالم الإسلامي.
واعتمد مجلس الأمن الدولي خطّة ترامب بكامل بنودها، بما في ذلك إلزامية نزع السلاح من قطاع غزّة، وتدعم جميع الدول العربية هذا البند علناً.
وأوضح الرئيس ترامب مراراً، وبكلماتٍ حازمة، أنّه إذا لم تتخلّ حماس عن سلاحها، فستكون العواقب قاسيةً وعنيفة، كما أعاد التأكيد عبر شبكته في مواقع التواصل الاجتماعي أنّ التنظيم" مُلزَم الوفاء بتعهّده بنزع السلاح الكامل والفوري.
".
وبموازاة ذلك ثمّة قناعةٌ إسرائيليةٌ بأنّ الشخص الوحيد القادر على تغيير الاتجاه هو دونالد ترامب.
فهو الّذي أجبر إسرائيل على تجميد خطّة الضم عام 2020، في مقابل" اتّفاقيات أبراهام"، وهو الّذي فرض توقيع اتّفاق وقف إطلاق النار، وهو الّذي يسمح باستمرار الحرب الآن، على الرغم من معارضة معظم دول العالم.
وحتّى الآن، لا توجد مؤشراتٌ إلى أنّه يمارس ضغطاً على إسرائيل لا في قطاع غزّة، ولا في الضفّة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك