يعمل الاقتصاد في الفكر الاستعماري أداةً لإدارة المجتمع والتحكم بإيقاع حياته اليومية، ففي ظلّ الاستعمار الاستيطاني، يعاد تنظيم الوصول إلى الحاجات الأساسية، مثل الغذاء والطاقة، بما يجعل النقص جزءًا من التجربة المعيشية المستمرة.
يشغل هذا النقص الأفراد والأسر بتأمين الضروريات، ويستنزف وقتهم وقدرتهم على الفعل، ويعيد توجيه سلوكهم نحو التكيّف مع متطلّبات البقاء اليومي.
في السياق نفسه، ينظر فرانز فانون (المفكر والمناضل المناهض للاستعمار) إلى الاستعمار باعتباره منظومةً تتحكم بشروط العيش اليومية للسكان الأصليين، عبر إنتاج الندرة وتنظيم الوصول إلى الأساسيات، بما يحوّل الحرمان إلى حالة دائمة ومعيشة.
هذا التحكّم يشغل المجتمع بتأمين ضروريات البقاء، ويستنزف قدرته على الفعل الجماعي، ويعيد تشكيل السلوك الاجتماعي في اتجاه التكيّف مع النقص، كي تصبح الأزمة المعيشية أداة ضبطٍ اجتماعيٍّ واقتصاديٍّ، وليست مجرد خلل في السوق.
تنطبق هذه المقاربة بوضوح على حالة ندرة الغاز في الضفّة الغربية، حيث يتحوّل النقص في سلعةٍ معيشيةٍ أساسيةٍ إلى أداة ضبطٍ اجتماعيٍّ واقتصاديٍّ، تتحوّل معها إدارة الاحتياج إلى ممارسةٍ يوميةٍ تتحكّم بأنماط عيش المواطن الفلسطيني.
أمن إمدادات الغاز في الضفّة الغربية.
تعاني الضفّة الغربية من غياب أي موارد محلية من غاز الطهي، ولا توجد فيها احتياطاتٌ أو قدرةٌ إنتاجيةٌ يمكن أن تساهم في تلبية الطلب المحلي.
وبحكم كونها سوقًا صغيرةً ومحدودة البنية التحتيّة، فإنها تعتمد بصورةٍ كاملةٍ على واردات المشتقّات النفطية عبر الاحتلال، ضمن ترتيبات تجعل تدفّق الإمدادات خاضعًا لاعتبارات لوجستية وسياسية.
كما أنّ غياب السعة التخزينية الكافية في الضفّة الغربية يزيد من ضعف القدرة على الإمداد، ويزيد حساسية السوق لأي تعطيل.
وعلى الرغم من وجود موردٍ غازيٍّ بحريٍّ قبالة غزّة (حقل مارين)، فإنه لم يجر تطويره حتّى اليوم، ولا يرفد الضفّة الغربية أو قطاع غزّة بأي إمداداتٍ فعليةٍ.
وبذلك يبقى أمن الغاز في الضفّة معتمدًا كليًا على الإمداد من الاحتلال، من دون أي أمنٍ إنتاجيٍّ محليٍّ أو بديلٍ استراتيجيٍّ قابلٍ للتفعيل، نظرًا إلى محدودية إمكانات التخزين، وقيود الحركة والتحكّم بالمعابر الّتي تحُول دون تنويع مصادر الاستيراد أو إنشاء بنية تحتيّة مستقلّة للتوريد والتخزين.
يمتدّ أثر النقص إلى قطاعات حيوية تتجاوز الاستخدام المنزلي، إذ تواجه المستشفيات والمراكز الصحية صعوباتٍ في تأمين احتياجاتها التشغيلية، كما تتأثر المخابز، إضافةً إلى بعض المنشآت الزراعية الّتي تعتمد على الغاز في عمليات التدفئة والتشغيل.
ضعف إمدادات الغاز وأثره على الاستقرار المعيشي والاقتصادي.
تشهد الضفّة الغربية أزمةً حادّةً في توفّر غاز الطهي عقب الاضطراب المتعمد للتوريد من الجانب الإسرائيلي بشكلٍ متكررٍّ، في توقيتٍ تزامنَ مع موجات بردٍ شديدةٍ، رفعت مستويات الاستهلاك إلى حدّها الأقصى.
هذا التطوّر كشف ضعف منظومة الإمداد، إذ تُستهلك الكمّيات فور دخولها السوق، في ظلّ غياب مخزونٍ أو احتياطيٍّ فعليٍّ لدى المحطّات، ما يجعل أي انقطاعٍ في التدفّق يتحوّل مباشرةً إلى اختناقٍ واسعٍ لدى العائلات الفلسطينية.
و انعكس ذلك في طوابير انتظارٍ طويلةٍ وازدحامٍ كبيرٍ، كما تواجه الأسر أوضاعًا معيشيةً متدهورةً منذ اندلاع حرب الإبادة، لتتراكم أزمة الغاز فوق ضغوطٍ ماليةٍ واقتصاديةٍ قائمةٍ أصلًا، وتزيد من تآكل القدرة الشرائية.
يمتدّ أثر النقص إلى قطاعات حيوية تتجاوز الاستخدام المنزلي، إذ تواجه المستشفيات والمراكز الصحية صعوباتٍ في تأمين احتياجاتها التشغيلية، كما تتأثر المخابز، إضافةً إلى بعض المنشآت الزراعية الّتي تعتمد على الغاز في عمليات التدفئة والتشغيل، ما يجعل الأزمة تمسّ البنية الاجتماعية بأكملها.
تتضارب الروايات حول واقع أزمة الغاز في الضفّة الغربية؛ إذ ترى الجهات الرسمية أنّ الإمدادات متوفرةٌ و الضغط الحاصل يعود إلى اندفاع المستهلكين نحو الشراء والتخزين بدافع القلق، مؤكّدةً استقرار الوضع التمويني واستمرار الرقابة على السوق.
في المقابل، تعكس الصورة الميدانية نفاد الكمّيّات فور وصولها، وغياب أي احتياطيٍّ فعليٍّ قادرٍ على معالجة الانقطاع، مع استمرار الطوابير وتدفق المواطنين تدفقًا كثيفًا.
استنزاف الأسر في ظلّ أزمة الغاز.
يمتدّ أثر التحكم في غاز الطهي إلى عبءٍ ماليٍّ واجتماعيٍّ مستمرٍّ تتحمّله الأسر تحمّلاً مباشرًا.
فعندما يصبح الإمداد غير مستقر، ترتفع الكلفة الفعلية للسّلعة، حتّى لو بقي سعرها الرسمي ثابتًا، نتيجة تكاليف الانتظار والتنقّل والبحث، واللجوء إلى بدائل أعلى كلفةً، إضافةً إلى اضطرار بعض المواطنين لشرائها بأسعار تفوق التسعيرة الرسمية في السوق غير الرسمية (السوق السوداء) عند اشتداد النقص، ما يضاعف العبء المالي على الأسر ويجعل الأزمة مركّبةً.
هذه الزيادة غير المباشرة تستنزف ميزانيات الأسر تدريجيًا، وتعيد توزيع الإنفاق على حساب الغذاء والاحتياجات الأساسية الأخرى، الأمر الّذي يهدد الأمن المعيشي.
كما أن غياب القدرة التخزينية وهامش الأمان في السوق ينقل أي اضطرابٍ فورًا إلى المستهلك النهائي، لتتحمّل الأسر صدمة الانقطاع من دون حماية.
ويتجاوز الأثر الجانب المالي ليطاول تنظيم الحياة اليومية، إذ تضطر الأسر إلى إعادة جدولة الطهي والتسوق والأنشطة اليومية وفق توقيت توفر الغاز بدلًا من تنظيمها وفق أولوياتها الحياتية الطبيعية، ما يعكس انتقال العبء من مستوى السوق إلى داخل المنزل.
وفي المواسم ذات الاستهلاك المرتفع، مثل شهر رمضان أو خلال فصل الشتاء، ينعكس أي خلل في الإمداد على كلفة الوجبة نفسها، فلا يقتصر الأثر على سعر الطاقة بل يمتد إلى زيادة مصاريف المطبخ وتقليص الخيارات الغذائية، لتصبح أزمة الغاز كلفةً ممتدّةً تمسّ الغذاء والتنظيم الاجتماعي والاستقرار الاقتصادي للأسرة.
بهذه الصورة يتحول التضييق المعيشي إلى أداةٍ لإعادة ترتيب أولويّات الناس قسرًا، وعليه تتقدّم معركة البقاء اليومي على أي قدرةٍ جماعيةٍ على مواجهة ما يفرضه الاحتلال من تغييراتٍ سياسيةٍ ومكانيةٍ.
تسارع الضمّ في بيئة الاستنزاف الاقتصادي.
يتزامن الضغط المتكرر على الاحتياجات الأساسية في الضفّة الغربية مع مرحلةٍ تتسارع فيها إجراءات الضمّ وتوسيع المستوطنات، ومصادرة الأراضي، وفرض وقائع جديدة على الأرض.
بينما يُدفع المواطن الفلسطيني إلى الانشغال بتأمين غاز التدفئة والطهي، وإدارة تفاصيل البقاء اليومي في ظلّ تضييقٍ اقتصادي متواصل، لتستنزف طاقته وقدرته على التركيز في التحوّلات الجغرافية الجارية.
ومع اقتراب شهر رمضان تتضاعف حساسية هذا الضغط، إذ يرتفع الطلب وتزداد كلفة المعيشة، فيصبح تدبير الاحتياجات أولويّةً تستحوذ على الوقت والجهد داخل الأسرة.
وفي الوقت الّذي يعيش فيه سكّان قطاع غزّة تحت وطأة تبعات حرب الإبادة، الّتي تحرمهم من الغذاء والدفء والأمان، تتحرّك في الضفّة آلياتٌ مختلفة الشكل متشابهة الأثر، تقوم على إنهاك المجتمع اقتصاديًا وإشغاله بتأمين أساسياته، في حين تمضي مشاريع الضمّ بخطواتٍ عمليةٍ على الأرض.
بهذه الصورة يتحول التضييق المعيشي إلى أداةٍ لإعادة ترتيب أولويّات الناس قسرًا، وعليه تتقدّم معركة البقاء اليومي على أي قدرةٍ جماعيةٍ على مواجهة ما يفرضه الاحتلال من تغييراتٍ سياسيةٍ ومكانيةٍ.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك