في حلقة جديدة من برنامج" قال الحكيم" (تشاهدونها عبر الضغط هنا) يغوص الكاتب والصحفي أسعد طه في مفهوم" الشكر" ليس بوصفه مجرد عبارة امتنان بروتوكولية، بل كفعل وجودي وقوة محركة قادرة على تغيير كيمياء الجسد والروح.
ويؤكد الكاتب الأمريكي توم كوستا أن السعادة والامتنان لا يجتمعان مع نقيضهما؛ فلا يمكن للإنسان أن يكون شاكرا وتعيسا في آن واحد، فبمجرد حضور الشكر تولد السعادة تلقائيا.
لم يكن الشكر عند الحكماء يوما مجرد" كلمة لسان"، بل هو" عمل" كما نص عليه القرآن الكريم، قال الله تعالى: (ٱعْمَلُوٓا۟ ءَالَ دَاوُۥدَ شُكْرًۭا ۚ وَقَلِيلٌۭ مِّنْ عِبَادِىَ ٱلشَّكُورُ).
فاستعمال النعم فيما خُلقت لأجله هو الشكر، وهو" بذل المجهود بين يدي المعبود"، وكذلك يرى ابن القيم أن الشكر هو المظلة التي تجمع تحتها المحبة والرضا والتوكل، وهو المفتاح الوحيد لـ" قانون الزيادة" الإلهي، إذ قال الله تعالى في كتابه الكريم: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِى لَشَدِيدٌۭ).
في أرقى درجات الإيمان، يفرق الإمام القشيري بين الشاكر والشكور؛ فالشاكر هو من يشكر على العطاء، أما" الشكور" فهو الذي يرى حكمة الله في" المنع" كما يراها في" البذل"، فيشكر في الحالتين.
فإن الشكر في جوهره هو أن يدرك الإنسان أنه ليس سوى أداة لتحقيق حكمة الله في الأرض، وكلما زاد امتنانه زاد قربه وحبه للخالق.
في زاوية لافتة، الكاتبة الأمريكية شارون هوفمان -المهتمة بأثر الحالة النفسية والامتنان على الصحة الجسدية- تؤكد أن الامتنان يعيد الشباب إلى الجسم، فبينما يترك اليأس ملامح التعب على الوجوه، يمنح الشكر أصحابه وجوها مشرقة مفعمة بالحيوية، وكأن الرضا الداخلي ينعكس نورا في الملامح وصحة في الأبدان.
تغوص الحلقة في أعماق الفكر الإسلامي، حيث يضع العالِم الإسلامي أبو بكر الشبلي تعريفا دقيقا لمفهوم الشكر فهو" رؤية المنعم لا رؤية النعمة".
فالشكر الحقيقي يتجاوز الفرح بالهدية إلى الامتنان للمُهدي، ومن هنا تبرز القاعدة الذهبية التي صاغها الإمام الجنيد البغدادي والقائلة إن" الشكر (هو) ألا يُعصَى الله بنعمه"؛ أي أن قمة الامتنان تكون في عدم استخدام الحواس والمواهب التي وهبنا الله إياها في ما يغضبه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك