إشراك فيلمين وثائقيين في المسابقة الرئيسية، الخاصة بالدورة الـ76 (12 ـ 22 فبراير/شباط 2026) لمهرجان برلين السينمائي، مُشابهٌ تماماً للحاصل في الدورة الـ74 (15 ـ 25 فبراير/شباط 2024) للمهرجان نفسه (برليناله).
أمرٌ كهذا غير مكتفٍ بالشكل أو العدد، فالتشابه كامنٌ أيضاً في التفاوت الكبير، جمالياً وسردياً وحكاية واشتغالاً، بين فيلمي الدورة الحالية، وتلك المنعقدة قبل عامين.
فالدورة الـ76 تُقدِّم، للمرة الأولى دولياً، فيلمي" الرجل الأكثر وحدة في المدينة" للإيطالية تِتْزا كوفي والنمساوي راينر فْريمل، و" يو (الحبّ طائر متمرّد)" للأميركية آنا فيتش.
تماماً كتقديم الدورة الـ74، أيضاً للمرة الأولى دولياً (حينها)، فيلمي" معماري (Architecton)" للروسي فكتور كوسّاكوفسكي، و" داهومي" للفرنسية السنغالية ماتي ديوب، الفائزة بجائزة الدب الذهبي، وهذا صادمٌ لشدّة وضوح اللاسينمائيّ في منح الجائزة، إذْ يحتاج المهرجان حينها إلى توازنات جندرية وثقافية وسياسية، تقول بضرورة الاهتمام أكثر بالمرأة، ومواجهة الاستعمار القديم، و" الادّعاء" بحقوق مهدورة لدول مُستعمَرة.
وإذْ يمتلك" الرجل الأكثر وحدة في المدينة" جماليات بصرية مفتوحة على الفردي والانفعالي والحياتي والموسيقي، كامتلاك" معماري" جماليات مشابهة، إضافة إلى تصوير (الألماني بن برنهارد) آسر لاهتزازات الطبيعة، المقتربة بشدّة من الكوريغرافيا؛ فإنّ تسجيل ديوب لاستعادة تماثيل" مسروقة" من الاستعمار الفرنسي إلى بلدها الأصل بينين يقترب من عاديّة" يو" في تسجيل يوميات امرأة، تودِّع الحياة بسرد اختباراتها وخياراتها فيها، بعيداً عن معنى الصورة المتحرّكة في ابتكار المعاني المُراد التعبير عنها.
وفي مقابل واقعية حكاية الموسيقي النمساوي آل كوك (27 فبراير/شباط 1945)، في وثائقي كوفي وفْريمل، المتوافقة ووقائع" معماري" في الحياة والهندسة المعمارية، والتفسير الفلسفي الحياتي العميق للعيش والبناء والآثار في مدن مختلفة، هناك سذاجة التقاط واقع سرقة الآثار وإعادتها (داهومي)، وبساطة توثيق حكاية امرأة (السويسرية يولاند شِيَا) ستعيش حياتها وفقاً لقناعاتها، متجاوزة" التفسيرات" المعتادة للجنس والأمومة والشيخوخة والموت، في زمن انقلابات اجتماع وتفكير وعلاقات (مواليد 1924): " بينما يَطمِس الفيلم حدود الذاكرة والزمن والإبداع، يكشف قوة الإبداع الفني في توجيه الحزن والحب، وفي مشاركتهما"، وهذا تعريفٌ لا يرتبط بالسينمائيّ المفقود في فيلمٍ، يُرافق آنا فيتش في بنائه نموذجاً مصغّراً لمنزل يو، والحي المُقيمة فيه زمناً مديداً.
بحساسية بصرية -تُتقِن كيفية التوريط في التمعّن بتفاصيل وهوامش، وبزوايا شبه مخفيّة في الكادرات المُلتَقطة بكاميرا راينر فْريمل- يتحوّل الفضاء الداخلي (منزل آل كوك والقبو الخاص به) إلى فسحةٍ مفتوحة على ماضٍ وحكايات تُروى غالباً بالموسيقى والصُّور الفوتوغرافية والموسيقى (البلوز أساساً) المنبثقة أساساً من هوس كوك بألفيس بريسلي، الذي يُشبهه.
بينما تُصبح المساحات الخارجية (حديقة، شوارع، حانة، مكتب سفريات، إلخ.
) امتداداً لعالمٍ يتهاوى، رغم أنّ للموسيقيّ أملاً بتحقيق حلمٍ قديم، يقوده إلى أميركا للعزف هناك، رغم أنّ من يحلم بلقائهم متوفّون، كما يقول.
أمّا" يو"، فرغم إنسانية آنا فيتش الدافعة لها إلى تكريم امرأة تُحبّها وترتبط بها روحياً ومعنوياً، فمحصورٌ في اشتغال سينمائي عادي للغاية، مع أنّ هناك أدوات تُصنع خصيصاً بالفيلم، للمساعدة على استعادة الأمكنة والمناخات والأشياء المحيطة بيولاند شِيَا.
فـ" الحب طائر متمرّد"، رغم شعرية مضمون العنوان وجماله الأدبي، مكتفٍ بسرد شبه مملّ لحكاية شبه مُثيرة للاهتمام والمتابعة، والسرد مكتوب بصُور يُراد لها أن تكون سينمائية، لكنها تبقى عادية للغاية.
هناك بساطة كوك وثقل الوحدة التي يعيشها، والثقل خانقٌ مع أنّ الموسيقيّ يتحكّم في ملامحه فيمنع غرقها في التشاوف، لأنّ الحزن والألم فيه أهمّ وأعمق من تبيان معالمهما بقوّة الواقع، وظهورهما عفوي وجميل وساحر (مع شيءٍ بديع من سخريةٍ محبّبة ومقبولة لبساطتها وعدم ادّعائها)، مع أنّ في الحزن والألم قسوة فراق يمتدّ من الذات إلى المحيط بها: عالم يتهاوى، وهذا خانقٌ

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك