تحت عنوان: ليلى شهيد.
إنسانية فلسطين بأسرها.
كتب الصحافي الفرنسي المخضرم إدوي بلينل، مقالا مؤثراً في موقع “ميديابارت”، الذي يعدّ أحد مؤسسيها ومديره نشره السابق؛ رثى فيه الدبلوماسية الفلسطينية الراحلة، مشيداً بمسيرتها الحافلة، ونضالها الصلب، وخصالها الإنسانية.
إدوي بلينل بدأ بالقول إنه أحيانًا، تكون وفاة إنسان واحد بمثابة نذير شؤم للبشرية جمعاء.
وذاك هو حال رحيل ليلى شهيد، التي لم تكن مجرد صوت لقضية، بل صوت عالميتها.
وتساءل كيف لا نعيش رحيلها كصرخة تمرد في وجه مصير فلسطين؟أضاف أن جميع مقرّبي ليلى شهيد يعلمون أنها كانت تعاني من الاكتئاب؛ لكنّها كانت تظهر كما عهدناها في العلن: كريمة، مبتهجة، متاحة للآخرين بشغف، حريصة عليهم، وفضولية تجاه كل شيء.
وأشار إلى أنها “حضرت، في سبتمبر/أيلول الماضي، إحدى حلقات “ميديابارت” حول مأساة غزة – وهي آخر مداخلة لها على الموقع الفرنسي، والتي حضرتها حاملة معها باقة زهور كبيرة ورسالة شكر لفريق العمل تقديرًا لجهوده.
ولم يسبق لأي ضيف أن قام بمثل هذه اللفتة.
لم تكن ليلى شهيد تمثل عدالة القضية الفلسطينية فحسب، بل أيضًا أناقتها وسموّها وكرامتها”.
وأكد أنه لا يكفي القول “إن ليلى شهيد كانت، طوال نحو أربعة عقود، الصوت الذي لا يُضاهى لفلسطين في فرنسا وأوروبا.
فالأهم هو الإصرار على المستوى الرفيع والصرامة التي جسّدت بها هذه القضية، من دون أن تنزلق إلى الشعبوية أو الانتهازية أو الطائفية”.
وأضاف أنه من خلال المساواة في الحقوق، والعدالة للجميع، ومطلب الديمقراطية، ورفض العنصرية، ومقاومة الدوغما، والتضامن العابر للحدود: رفعت ليلى شهيد فلسطين إلى مرتبة القضية المشتركة للمقهورين والمستضعفين والمهمشين أينما كانوا.
وتابع بالقول إن “ليلى شهيد كانت تقف في وجه كل سلطة ظالمة، ضد كل فساد وقبح وانحطاط، فقد كانت ترمز إلى عالمية المسألة الاستعمارية، وإلى الحقيقة البديهية بأن شعبًا لا يمكن أن يكون حرًا إذا كان يقمع شعبًا آخر.
بل إنه يضيّع نفسه، حتى يصل إلى الجريمة ضد الإنسانية، حين ينكر إنسانية من يضطهدهم.
وهذا، للأسف، هو المشهد الذي تقدمه اليوم دولة إسرائيل، وقد أعمتها قوتها، وأضلّتها قوميتها، ونخرتها العنصرية”.
ومضى الصحافي الفرنسي للقول إن “فلسطين العالمية التي دافعت عنها ليلى شهيد نقيض القبيلة والانغلاق والانكفاء، ونقيض الأمة الهوياتية التي تضيق بالتنوع وترفض الأقليات وتضطهد المعارضين.
لذلك كانت الراحلة تحرص دائمًا على تحذير أنصارها من أي تساهل مع معاداة السامية.
وأشار إلى أنها كانت تكرر: “كل فعل ضد الديانة أو الشعب اليهودي جريمة ضد القضية الفلسطينية”.
وكتب “أنه حتى اللحظة الأخيرة، عاشت ليلى شهيد تلك الجمرة المتقدة للحقيقة التي تفرض عدم مهادنة الزيف، وعدم التخلي عن العدالة، وعدم الاستسلام للهزيمة.
وكغيرها من رموز هذه القضية المجروحة اليوم، لم تتردد في مخالفة أبناء جلدتها إذا اقتضت الأمانة للمبدأ ذلك”.
واعتبر إدوي بلينل أنه يصعب تصور شدة المأساة التي عاشها جيل الشتات الفلسطيني، الذي حمل منذ شبابه مطلب الحق والعدالة.
مع تراكم الإخفاقات والآمال الكاذبة واختلال موازين القوى ولا مبالاة الدول، تحوّلت مقاومتهم، التي كان يمكن أن تكون حماسة شبابية عابرة، إلى نضال عمر كامل، يواجه توالي الرفاق الراحلين، وآلام المجازر بلا عقاب، واستمرار الاستيطان بلا مساءلة.
وقال إنه اليوم، عند شفا الشيخوخة، يجدون هؤلاء أنفسهم أمام احتمال اندثار جديد لفلسطين التي نجح نضالهم، حول منظمة التحرير الفلسطينية بقيادة ياسر عرفات، في إنقاذها من النسيان بعد نكبة عام 1948 فأي قوة خفية في أرواحهم تمكّنهم من الصمود حين تتجاوز الكارثة كل حدودها؟
سؤال، أكد إدوي بلينل إنه اجتاحه حين علم، يوم الأربعاء الـ 18 فبراير/شباط، برحيل ليلى شهيد، واصفا إياها بالإنسانة الجميلة، ومعتبراً أن حياتها كانت انتفاضة ضد لاأخلاقية العالم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك