أعلن البيت الأبيض في السادس من فبراير (شباط) الجاري في بيان مشترك للهند والولايات المتحدة الوصول إلى إطار عمل لاتفاقية موقتة في شأن التجارة المتبادلة.
وأضاف البيان أن الولايات المتحدة ستخفض التعريفة الجمركية على البضائع الهندية من 50 في المئة إلى 18 في المئة مقابل تخفيضها على البضائع الأميركية إلى صفر، ووعدت الهند بزيادة واردتها من الولايات المتحدة إلى 500 مليار دولار خلال خمس سنوات.
وعلقت صحيفة" بلومبيرغ" في إحدى مقالاتها على الاتفاقية بأن الهند وافقت على حزمة تجارية بـ500 مليار دولار لشراء نفوذها داخل الإدارة الأميركية، لكن المعارضة الهندية أبدت رد فعل شديداً تجاه هذه الاتفاقية، وأثارت أسئلة صعبة حول الأهداف غير المعلنة للاتفاقية، حتى إن زعيم حزب الكانغرس راهول غاندي صرح بأن رئيس الوزراء ناريندرا مودي قد" باع الوطن".
واتهم راهول حكومة حزب" بهاراتيا جاناتا"، وخلال خطابه الناري في البرلمان، بالتضحية بـ1.
4 مليار شخص من الهند لإنقاذ الصفقات المالية للحزب ورجال الأعمال أنيل أمباني وجوتام أداني، في إشارة إلى أن مودي يرجح مصالح رجال الأعمال المقربين من الحكومة على الشعب، وسط ضجة وصخب في البرلمان.
وعلى رغم الكشف عن بعض تفاصيل الاتفاقية التجارية في البيان المشترك الصادر من البيت الأبيض، فإن المعارضة ترى أن إدارة مودي أخفت الأجندات الخفية للاتفاقية ووضعت القطاع الزراعي الهندي على المحك.
يخشى المعارضون أن وعد الهند للولايات المتحدة بأنها تعتزم شراء منتجاتها سيؤثر في السوق المحلية، لا سيما القطاع الزراعي، إذ إن فتح الأبواب على البضائع الأميركية التي تم إعفاؤها من الجمارك سيكون أقل قيمة من البضائع المحلية، لذا ستتأثر سلسلة الإمداد، وسيتكبد المزارعون خسارة كبيرة.
من جهة أخرى، يعتقد بعض المراقبين أن مودي قد خاطر بإبرام الصفقة التجارية مقابل ضمان موقف مؤيد من الحكومة الأميركية على قضية كشمير.
ينطلق هذا الرأي المثير من قراءة تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب الداعمة لباكستان، إذ إن ترمب أشاد في الآونة الأخيرة بالقائد العسكري الباكستاني عاصم منير، ورتب معه غداءً فاخراً، إضافة إلى عقد اجتماعات وصفقات عملات مشفرة بملايين الدولارات، الأمر الذي تسبب بالتأكيد في موجة من القلق في الهند.
وعلى رغم معرفة الجميع أن العلاقات الخارجية وتعاملات البنتاغون تعمل وفق سياسة مؤسساتية وبروتوكولات محددة لكل دولة، بغض النظر عن التصريحات الودية التي يصدرها ترمب، فإن الهند توجست الخطر من التطورات الدبلوماسية الأخيرة.
وبحسب المراقبين، فإن المصالح الأميركية وراء هذه الصفقات والصداقات والاجتماعات مع الهند وباكستان تتجاوز ما يعلن عنه في الاتفاقيات، حيث يؤدي الموقع الجيوسياسي لشبه القارة الهندية والمصالح الغربية دوراً أكبر من التجارة، إضافة إلى أنه مرتبط أيضاً بوضع كشمير.
الأمر الذي أثار ضجة واضطرت الولايات المتحدة إلى الاعتراف بالخطأ فيه هو ظهور خريطة للهند من واشنطن بعد فترة وجيزة من الاتفاق التجاري تظهر كشمير التي تديرها باكستان وبعض المناطق الشمالية كجزء من الهند، قبل أن يتم حذفها من التغريدة بناءً على طلب باكستان.
إلا أن هذا التطور أثار تساؤلاً في ظل تحسن العلاقات الأميركية - الباكستانية عمَّا إذا كان مدح ترمب لقائد الجيش الباكستاني مجرد حيلة أخرى، وما إذا كانت هناك محاولة لعزل باكستان عن قضية كشمير ثم إبعادها عنها.
يذكر هنا أن باكستان تعد تقسيم شبه القارة الهندية في عام 1947 غير مكتمل من دون حل النزاع على إقليم جامو وكشمير.
أما نيودلهي فقد قامت بتغيير روايتها السابقة باعتبار منطقة كشمير بأكملها جزءاً من مملكة دوغرا بعد إنهاء الحكم الذاتي الداخلي لكشمير في عام 2019، وأعربت عن نيتها تنفيذ خطة للاستحواذ على كشمير التي تديرها باكستان منذ فترة طويلة.
وقد تسارع البلدان في السابق بالسيطرة على أكبر مساحة ممكنة من إقليم كشمير، مما يعني عملياً تقسيم المنطقة بين الدولتين، وعلى رغم أن البلدين تعهدا حل النزاع بحضور المجتمع الدولي عام 1947، فإنهما لم يتخذا أي إجراء في حال نشوب النزاع.
وقد تجلَّى مدى خطورة هذه القضية مرة أخرى عندما تصاعدت الحرب المحدودة بين الهند وباكستان في عام 2025 إلى حد الحرب النووية، مما عرض أمن العالم بأسره للخطر، وادعى ترمب أنه يستحق جائزة نوبل لوقف هذه الحرب.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field).
على رغم أن الخريطة الأخيرة للإدارة الأميركية لم تُولِ اهتماماً كبيراً في البداية من البلدين، فإن وسائل الإعلام الهندية بالغت في تغطية الحدث، فيما أعرب عديد من المراقبين الإقليميين عن شكوكهم وحاولوا الكشف عن النوايا الكامنة وراء الاتفاقيات.
يعتقد كثر أن ترمب قد مارس لعبة تجارية مع كلا البلدين، مخادعاً إياهما لحماية شروطه ومصالحه، بل ذهب عدد من الدبلوماسيين من شبه القارة الهندية إلى حد القول إن ترمب يستغل العداء القائم بين البلدين، مضيفين أنه لو كان قادة هذين البلدين صادقين ونزيهين لفضلوا مصالح شعوبهم التي تبدو غائبة تماماً من الاتفاقيات.
يقول المحلل السياسي المقيم في برلين راكشيت روجرز" لقد ضحت الهند بحصة من قطاعها الزراعي مقابل ضمان التزام الولايات المتحدة الصمت في شأن قضية كشمير، ويبدو أن باكستان قد حصلت على وعد من ترمب، مستغلة قرب ترمب من عاصم منير، بإثارة قضية كشمير في كل محفل، فيما كانت ترغب سراً في الوقت نفسه في إقناع الهند بإجراء محادثات في شأن كشمير".
وأضاف" كانت هناك مؤشرات من إدارة ترمب إلى أنها ستثير قضية كشمير وحقوق الإنسان مجدداً للضغط على الهند إذا لم تقبل ببنود الاتفاقية التجارية وتوقع عليها، لم يتسنَّ لي تأكيد ذلك من مصادر موثوقة، لكن يمكنني القول بثقة إن شيئاً ما قد حدث داخلياً في شأن كشمير وسط عقد الاتفاقيات التجارية، والتزمت حكومتا البلدين الصمت حياله".
هناك مخاوف في كشمير من أنها ستصبح مرة أخرى جزءاً من صفقة تجارية، وتعيد التطورات الحالية صدى معاهدة أمريتسار عام 1846، التي باع فيها البريطانيون كشمير مقابل 75 ألف قطعة نقدية من ناناك شاهي إلى المهراجا جولاب سينغ، الذي كان يرغب آنذاك في ترسيخ سيطرته على عرش لاهور.
هل أصبحت كشمير مرة أخرى ورقة مساومة؟ وهل دفعت الهند ثمناً باهظاً قدره 500 مليار دولار مقابل التزامها الصمت في شأن قضية كشمير؟تجدر الإشارة إلى أن الولايات المتحدة والدول الغربية تعد كشمير" نقطة ضعف" الهند، فكلما لوَّحت الهند بإعادة هيكلة سياساتها الخارجية والاقتصادية بما يخدم مصالحها، يذكرها الغرب بنقطة ضعفها، ألا وهي كشمير.
لا تزال تفاصيل الأسرار الكامنة وراء الاتفاقيات التجارية أو الاتفاقيات الداخلية للهند بعيدة من الأنظار، لكن معظم مراكز الأبحاث تقول إن هذه الصفقات مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بكشمير.
أخيراً، فشلت الهند وباكستان في حل قضية كشمير وتجاوز أكبر عقبة أمام تطبيع العلاقات وفتح المجال للتبادل التجاري والثقافي، بل تحول النزاع إلى ساحة ساخنة للحرب بين القوتين النوويتين.
ويبدو أن القوى العالمية تستغل فشل الدولتين في تحقيق مصالحهما باستخدام القضية كورقة ضغط، تجبر بها الدولتين على إبرام صفقات وعقود ليست في حاجة إليها، لكنها تجعلهما مصفدتين بقضية واحدة، قضية كشمير.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك