يبرهن عالمنا المتسارع كل يوم، أن لحظة احتياج فطرية قد تتجاوز حدود الطبيعة لتتحول إلى محرك اقتصادي جبار، وهذا ما جسدته قصة القرد الياباني الصغير" بانش".
بدأت الحكاية في حديقة حيوان" إيتشيكاوا" بمدينة تشيبا، حيث واجه القرد الرضيع من فصيلة المكاك وحدة قاسية بعدما تخلت عنه والدته فور ولادته في 26 يوليو (تموز) 2025، وهنا سعى حراس الحديقة لتعويض هذا الفراغ العاطفي بتقديم دمية أورانغوتان من مجموعة" DJUNGELSKOG" الخاصة بشركة إيكيا، لتصبح هذه الدمية" الأم البديلة" التي لا يفارقها الصغير أبداً.
من حظيرة في تشيبا إلى شاشات العالم.
بدأت مقاطع بانش تنتشر تدريجياً عبر منصات التواصل الاجتماعي خلال فبراير (شباط) 2026، لكن التحوّل الحقيقي جاء حين اتسعت الدائرة خارج اليابان.
وأظهر مقطع أولي نُشر على" تيك توك" في 19 فبراير (شباط) القرد بانش وهو يُسحب على الأرض من قبل قردة بالغة أكبر منه، قبل أن يُفلت ويهرع إلى دميته، ليفجر على الفور تعاطف الملايين.
يتيم اليابان الذي أبكى العالم.
قصة القرد" بانش" التي اجتاحت منصات التواصل - موقع 24يجلس على حافة قفصه، يضمّ دميته بكلتا يديه، وكأنه يعرف أن العالم يراه، إنه" بانش-كن"، قرد المكاك الياباني ذو الـ 6 أشهر، الذي لم يفعل شيئاً استثنائياً سوى أنه تشبّث بما يعوّضه عن أم لم يعرف حنانها قط.
وصلت القصة إلى البرامج التلفزيونية الأمريكية، حيث أشار الإعلامي ستيفن كولبير إليها في برنامجه مازحاً بأن دمية بـ19.
99 دولاراً قد تكون النوع من الراحة الذي يحتاجه الجميع في هذه الأيام.
لاحقاً، طمأنت حديقة الحيوان المتابعين، موضحة أن الأمر لا يعدو كونه سلوكاً تأديبياً طبيعياً من الأفراد البالغين في المجموعة تجاه صغير يحاول الاندماج، وأن بانش لم يُصب بأذى.
إيكيا والتسويق اللحظي: درس في التوقيت.
لم تتأخر إيكيا في استيعاب ما يجري، حيث أعلنت الشركة عن ارتفاع ملحوظ في مبيعات دمية" جونجيلسكوج" خصوصاً في اليابان والولايات المتحدة وكوريا الجنوبية.
وفي أستراليا وحدها، سجّلت إيكيا زيادةً تتجاوز 200% في المبيعات خلال أسبوع واحد، إذ بيعت 990 دمية مقارنةً بمتوسط أسبوعي معتاد يبلغ 400 قطعة.
الدمية التي يبلغ سعرها في المتاجر نحو 16 إلى 20 دولاراً بحسب موطن بيعها، نفدت من رفوف عدد من متاجر إيكيا حول العالم، بما فيها اليابان والولايات المتحدة وكوريا الجنوبية وسنغافورة.
وعلى منصة eBay، بدأت القائمة الثانوية لإعادة البيع تعكس حجم الهوس الاستهلاكي؛ حيث وصلت بعض العروض إلى 350 دولاراً، وتراوح كثير منها بين 100 و260 دولاراً.
تفاعلت إيكيا مع الظاهرة عبر حساباتها الرسمية بأسلوب لافت، حيث نشر الحساب الإسباني صورة معدلة للدمية وهي تعانق بانش، فيما نشرت إيكيا سويسرا صورةً مماثلة لدمية شمبانزي تحتضن دمية الأورانغوتان.
وفي 17 فبراير (شباط) الجاري، التقط رئيس بلدية إيتشيكاوا كو تاناكا صورة مشتركة مع رئيسة إيكيا اليابان بيترا فاري، أمام كميات كبيرة من الدمى التي تبرعت بها الشركة لحديقة الحيوان لتوزيعها على الحيوانات المحتاجة للأُنس.
حملة دعاية عالمية بلا دولار واحد.
الجانب اللافت في هذه القصة أنها لم تُبن على حملة تسويقية مُحكمة ولا على ميزانية إعلانية ضخمة، فبانش لم يكن وجهاً دعائياً أصلاً، وحديقة الحيوان لم تتواصل مع إيكيا بغرض التسويق.
ما حدث هو تأثير لحظة عاطفية عفوية وصادقة، قرد صغير يجد في دمية قماشية ما عجز عن إيجاده في الطبيعة، ليفتح طريقها معه إلى قلب ملايين البشر في وقت واحد.
وفي عصر الانتشار الرقمي السريع، لا تصنع العلامات التجارية الكبرى دائماً اللحظات التي تحتاجها، بل تنجح حين تكون يقظة بما يكفي لالتقاط اللحظات التي تصنعها لها الحياة بالصدفة، والتفاعل معها بسرعة بدلاً من الانتظار حتى يبرد الزخم.
المُبهج في القصة، أنه وأخيراً تبدلت ملامح الحزن في حياة القرد الصغير مع صدور لقطات حديثة توثق لحظات دافئة لم تكن متوقعة؛ فبعد أشهر من العزلة، نجح" بانش" في بناء روابط حقيقية مع أفراد من فصيلته، حيث رصدت العدسات مشهداً مؤثراً لقردة بالغة وهي تمنح الصغير عناقاً طويلاً ومحكماً، في إشارة واضحة إلى قبوله أخيراً كعضو في العائلة الكبيرة.
من جهتها، أكدت إدارة الحديقة أن القرد الصغير شوهد مؤخراً وهو يخضع لعمليات" تنظيف وتزيين" متبادلة من قبل اثنين من القردة، مما يعني أنه بدأ يجد الدفء في الأحضان الحية بدلاً من فراء الدمية الاصطناعي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك