باقة ورود ومفرقعات وحشد من الصحافيين والأشخاص الذين جاؤوا لتصوير اللقاء المؤثر بين الأقارب.
بعد إعادة الفتح الجزئي لمعبر رفح البري في يوم 2 شباط/ فبراير الجاري الذي يسمح بتنقل الأفراد بين قطاع غزة ومصر، كانت عودة أولى مجموعات الغزيين الذي كانوا في مصر أشبه بمشهد احتفال.
وتعتبر إعادة فتح هذا المعبر الحدودي الحيوي، الذي أغلق منذ سيطرة الجيش الإسرائيلي عليه في شهر أيار/ مايو 2024، جزءا من خطة السلام في غزة التي تم إمضاؤها بين طرفي الحرب في 9 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي.
بعد عدة عمليات مراقبة، يدخل الفلسطينيون الذين يرغبون في العودة إلى غزة عبر حافلات تدخل القطاع مصحوبة بعاملين في الأمم المتحدة وأشخاص يرتدون سترات بألوان علم مصر وهو ما تظهره صور التقطها مراسل قناة الجزيرة القطرية هاني الشاعر.
ولكن في الاتجاه المقابل، تسمح إعادة الفتح الجزئي للمعبر البري أيضا بالعبور إلى مصر للأشخاص المصابين أو أصحاب الأمراض الخطيرة حتى يتمكنوا من تلقي العلاج.
وفق الأمم المتحدة، لم يعد سوى 14 مستشفى من أصل 36 يقدم خدماته في شهر تشرين الأول/ أكتوبر 2025، وتعرضت المؤسسات الصحية في الجيب الفلسطيني إلى ما لا يقل عن 700 هجوم من قبل الجيش الإسرائيلي منذ بداية عمليته العسكرية في القطاع في شهر تشرين الأول/ أكتوبر 2023.
وكان وصول المرضى الفلسطينيين الذي تمكنوا من العبور مصر عبر معبر رفح البري محل متابعة إعلامية محلية ودولية واسعة.
في الجانب الفلسطيني، حيث ما زالت المنطقة تقع داخل" الخط الأصفر" الخاضع لسيطرة إسرائيل، فإنه ما زال مغلقا أمام وسائل الإعلام الأجنبية.
إلا عدد الأشخاص الذين سمح لهم بالعبور في الاتجاهين يبقى قليلا جدا بالنظر إلى الاحتياجات، وفق هيئة" أوبام"، وهي مهمة أوروبية مكلفة بمراقبة ودعم عمليات السلطة الفلسطينية في رفح، فقدت تحدثت عن السماح" بعبور ما بين 80 إلى 100 شخص في اليوم إجمالا".
ويتعلق هذا العدد بالسماح بعودة 50 شخصا طوعا في اتجاه غزة، ومغادرة 50 شخصا في حالة طوارئ طبية ممن يريدون مغادرة قطاع غزة في الاتجاه المقابل.
ويسمح لهؤلاء المرضى بأن يكون كل واحد منهم مصحوبا باثنين من أقربائه كحد أقصى.
وفق وزارة الصحة في قطاع غزة، فإن نحو 20 ألف شخص ينتظرون السماح لهم بالمغادرة لتلقي العلاج في الخارج.
بهذا النسق، يجب نظريا الانتظار أكثر من عام للسماح لكل هؤلاء الأشخاص بالخروج من قطاع غزة.
على هذه الخريطة، يمكن لنا أن نرى المنطقة التي تحدد" الخط الأصفر"، وراء هذا الخط، يواصل الجيش الإسرائيلي احتلال جزء من أراض فلسطينية في غزة (باللون الأصفر).
وينص مخطط السلام الذي دخل حيز التنفيذ في يوم 10 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي تراجعا تدريجيا لهذا الخط حتى انسحاب الجيش الإسرائيلي من الأرض لتسلم لقوة مسلحة دولية.
وتتبادل حركة حماس والجيش الإسرائيلي بخرق اتفاق وقف إطلاق النار المرتبط بهذه الخطة.
وتواصل الدولة العبرية قصف مناطق خارج الخط الأصفر.
" لم يكن اسم ابني في القائمة، كم من الوقت يجب علينا الانتظار؟ ".
عمليات الإجلاء هذه التي تتم قطرة قطرة تسببت في فترة انتظار صعبة لأشخاص في حاجة إلى علاج غير متووفر في قطاع غزة.
ينطبق هذا الأمر على إبراهيم، الذي تم تغيير اسمه حفاظا على هويته، هو طفل لا يتجاوز عمره عشر سنوات أصيب في انفجار جراء قنبلة إسرائيلية في صيف 2025.
وبعد أن تعرض لإصابة في العمود الفقري، فقد بات مشلولا الآن، كما تم بتر أحد أطرافه، وفق صورة ووثائق طبية أرسلتها عائلته إلى فريق تحرير مراقبون فرانس 24.
خديجة (اسم مستعار)، هي أمه وتؤكد أنها تريد السفر إلى مصر مع ابنها في أسرع وقت ممكن، حتى يتمكن من تلقي العلاج المناسب لحالته، وتضيف قائلة:
لا يمكن لابني المشي، هو الآن موجود في مستشفى مخصص لإعادة التأهيل.
ولكن بسبب نقص الأسرة، لن يتم تركه هناك سوى شهرين أو ثلاثة كحد أقصى، في الوقت الذي يحتاج فيه إلى ستة أو سبعة أشهر من إعادة التأهيل.
لن يسمح ذلك بتحسن حالته، وبعد ذلك سيعود للآلام تحت خيمتنا.
هو أيضا في حاجة ليد صناعية.
تم منحه واحدة في المستشفى الأردني هنا في قطاع غزة، لكنها لم تفده شيء.
لا بل تسببت له في التهاب، ولم تعد تصلح له في عملية إعادة التأهيل وهو ما جعله يرفض وضعها.
لكل هذه الأسباب نحن نأمل بأن يسمح له بالعبور لمواصلة تلقي العلاج في الخارج والحصول على يد صناعية.
زد على ذلك أن والده موجود في مصر، فقد غادر قبل اندلاع الحرب.
إنه يريد رؤية ابنه، وابنه كذلك بطبيعة الحال".
لم يكن إبراهيم من ضمن أول الأشخاص الذي غادروا القطاع في الأيام القليلة الماضية.
وتخشى أمه أن يبقى عالقا في قطاع غزة لمدة أشهر أخرى وتضيف قائلة:
لم يخرج اسمه (في قائمة المغادرة).
نعاني بسبب هذه المغادرة من غزة.
يجب علينا انتظار دورنا حتى نغادر.
لقد قاموا بإعادة فتح المعبر، ولكن وكأن شيء لم يكن.
إنهم لا يسمحون سوى بمغادرة عدد قليل جدا.
بعض الأشخاص الذي سمح لهم بالخروج يقولون لنا إنهم كانوا في بعض الأحيان مسجلين على قوائم المغادرة منذ عامين.
كم يجب على ابني الانتظار من وقت حتى يتمكن من المغادرة؟
" لقد أنفقت مجمل مدخراتي، وهنا لا يمكن لي العمل كصحافي".
في الجهة المقابلة من معبر رفح، في مصر، ينتظر الصحافي حمزة شعلان دوره أيضا في العبور أملا في العودة إلى بلده.
وبعد أن خرج من قطاع غزة في شهر أيار/ مايو 2024، قبل بضعة أيام من سيطرة الجيش الإسرائيلي على معبر رفح، هو الآن من بين أول من سجل اسمه في قائمة المرشحين للعودة الطوعية التي قدمتها سفارة فلسطين في القاهرة.
ويروي حمزة شعلان قائلا:
جئت إلى القاهرة مع أبي وأمي قبل أن يصبح ذلك مستحيلا.
لقد كلفنا ذلك مالا كثيرا (يتحدث عما يعادل آلاف من اليوروهات) ولكن أبي كان يعاني من قصور كلوي، كان بحاجة إلى تحاليل لم تكن متوفرة في غزة.
وقد توفي العام الماضي.
بالإضافة إلى هذا الفقد، يجد حمزة شعلان نفسه في وضع مادي حرج وهو ما يجعله يرغب في العودة.
ويقول إنه اضطر لبيع جزء من عتاده المهني لكي يتمكن من توفير ثمن تأجير البيت والأكل، ويضيف قائلا:
المغادرة إلى مصر كان قرارا جيدا، لست نادما على ذلك.
ولكني أنفقت كل مدخراتي، وهنا أنا في وضع غير قانوني، لا يمكن لي العمل كصحافي.
وهو ما يجعلنا نعيش شهرا بشهر.
في غزة، يمكن لي أن أمارس مهنتي كصحافي.
عندما كنت هناك، كنت أشتغل مع القناة العامة الدانماركية، وشاركت في إعداد وثائقي، وكنت مراسلا لوسائل إعلام أخرى.
يمكن لي العودة لممارسة المهنة التي أحبها.
العودة هو قرار صعب لاتخاذه عندما لا يعود لنا مورد رزق هناك، ولكن ذلك لا ينطبق على حالتي.
لدي أيضا مسؤوليات في غزة.
بقيت ثماني من أخواتي هناك وهن بحاجة للمساعدة.
أمي ستبلغ قريبا عامها السبعين وهي تريد رؤية بناتها".
" يقال لنا أن هناك عصابات مسلحة تتولى تفتيش متاعنا".
عندمت يتحدث عن المراقبة للعودة إلى قطاع غزة، يبدو أن حمزة شعلان قد استخبر عن الأمر بشكل واسع، ويتحدث هذا الصحافي عن شعور مختلط بين الخوف والأمل ويضيف قائلا:
وفق ما علمته من أحد زملائي الذي تمكن من العبور، نمر أولا عبر المراقبة المصرية من ثم الفلسطينية التي تتولاها السلطة الفلسطينية (التي تعمل بالأساس في الضفة الغربية، على عكس حكومة غزة التي تديرها حركة حماس، فريق التحرير)، قيل لنا إن هناك عصابات مسلحة تتولى تفتيش الأمتعة.
إنهم يمنعون مرور كل شيء تقريبا، أعلم على سبيل المثال أنه لا يمكن لي إدخال تجهيزاته الصحافي.
يقومون بطرح أسئلة عليك أيضا، أنت تحت رحمتهم، ويقومون بنقلك إلى الجانب الإسرائيلي، حيث يتكرر نفس الأمر.
لكني لا أعير اهتماما لهذه المسائل، لست متورطا في أي شيء مرتبط بالسياسة ولا بأية مجموعة مسلحة.
ولكن إذا ما كان لأحدهم شخص ما من أفراد عائلته لديه أمر ما، يمكن أن تسير الأمور بشكل سيء.
هذا العصابات تتشكل من أشخاص هاربين من السجن.
هذا العبور يمثل أمرا خطيرا، ولكن هنا، نحن نموت ببطء".
وثق فريق تحرير مراقبون فرانس 24 في السابق وجود عصابات مسلحة في قطاع غزة من بينها بعض الجماعات التي تلقت دعما من الجيش الإسرائيلي وتنشط في المنطقة التي يسيطر عليها.
وإحدى هذه العصابات على الأقل كانت بالفعل تدار من قبل هارب من العدالة، ياسر أبو شباب، الذي تعرض للقتل في 4 ديسمبر/كانون الأول 2025.
لم يتمكن فريق التحرير بعد من التحقق بشكل مستقل من عدة شهادات تؤكد بأن هذه العصابات تنشط في معبر رفح الحديدي.
وسنقوم بنشر المعلومات التي سنجمعها عندما يكون ذلك ممكنا.
أعلم أنني بصدد الانتظار، ولكني لست متأكد من التمكن من العبور إلى قطاع غزة.
إذا ما تم طردي من مصر، سيكون الأمر فظيعا.
إنها أسوأ فترة في حياتي، ليس لدي أي خيار حقيقي، ولا حرية، كل شيء خارج سيطرتي.
بصفتي فلسطينيا، لا أملك حق تقرير المصير.
على الرغم من كل ذلك، نقوم ببعض الأشياء ونتمسك بالأمل".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك