عاد القلق ليخيّم على شوارع العاصمة البريطانية لندن والتي اعتادت عرض الرفاهية أكثر من مشاهد العنف، وذلك على إثر تسجيل سلسلة اقتحامات متتالية لمتاجر فاخرة في قلب لندن خلال الأسابيع الأخيرة، ولم تكن حادثة اقتحام متجر (Bucherer Rolex) في نايتسبريدج في 20 يناير/كانون الثاني معزولة، بل شكّلت حلقة ضمن موجة هجمات متقاربة أعادت طرح أسئلة ملحّة حول الأمان في الفضاء العام، حتى في أكثر أحياء العاصمة ثراءً.
خلال فترة قصيرة، شهدت لندن تصاعدًا لافتًا في عمليات الاقتحام والسرقة التي استهدفت متاجر ساعات ومجوهرات وبيوت أزياء راقية في نايتسبريدج وتشيلسي وبوند ستريت وهاتون غاردن.
نمط واحد تكرّر: مركبات تُستخدم لاقتحام الواجهات الزجاجية، دقائق من الفوضى، ثم انسحاب سريع ببضائع تُقدَّر قيمتها بمئات آلاف الجنيهات، وسط ذهول المارة وأصحاب المتاجر.
وعلى وقع هذه الحوادث، كثّفت شرطة العاصمة خلال الأسابيع الماضية عملياتها الميدانية، وتوزعت وحدات متخصصة في مناطق التسوق الراقية، في محاولة لاحتواء التصاعد وملاحقة شبكات يُشتبه في تورطها بسرقات عالية القيمة.
شملت هذه التحركات عمليات مداهمة واسعة شارك فيها عشرات العناصر، بعد هجوم واحد على الأقل تجاوزت فيه قيمة المسروقات نصف مليون جنيه من متجر واحد.
بين نوفمبر/تشرين الثاني وفبراير/شباط، سُجّلت ثماني عمليات اقتحام وسرقة في أنحاء متفرقة من لندن.
ففي شارع سلون بمنطقة تشيلسي، استُخدمت مركبات لاقتحام واجهات متجري" بوتيغا فينيتا" و" لورو بيانا" بفارق شهر واحد فقط، على مسافة قصيرة من متجر (Bucherer Rolex) الذي نُهب في 20 يناير.
وبعد أيام، في 23 يناير، استُهدف متجر" إيف سان لوران" في شارع بوند القديم خلال ساعات الليل، حيث سُرقت حقائب تصل قيمة الواحدة منها إلى نحو 30 ألف جنيه.
وفي غرب لندن، انتقلت الهجمات إلى متاجر مجوهرات محلية، من بينها" سلطان للمجوهرات" في شيبردز بوش، تلاه بعد أيام متجر" غريغوري آند كو".
أما في 12 فبراير/شباط، فقد اقتحم ثلاثة رجال مسلحين بالسكاكين متجر" دانش إنترناشونال جولرز"، وفي هاتون غاردن خلال ساعات العمل وسرقوا ساعات عالية القيمة وخاتمًا ثمينًا، في واحدة من أكثر الحوادث جرأة خلال هذه الموجة.
هذا التصاعد يعكس تحوّلًا أوسع في أنماط الجريمة في لندن منذ جائحة كوفيد-19، حين انتقلت بعض السرقات من هجمات ليلية أو مغلقة إلى اقتحامات علنية وسريعة، تطال متاجر مفتوحة وأحيانًا أفراداً في وضح النهار.
ومع ازدهار السوق الثانوية للسلع الفاخرة، باتت الساعات والمجوهرات أهدافاً مغرية، سهلة الحمل وسريعة التصريف.
في موازاة ذلك، أسهم الارتفاع الحاد في أسعار المعادن الثمينة في تعزيز جاذبية هذا النوع من الجرائم.
فقد سجّل الذهب مستويات قياسية في بريطانيا خلال الأشهر الماضية، قبل أن يتراجع نسبيًا، لكنه ظل مرتفعًا مقارنة بالعام السابق، فيما قفزت أسعار الفضة بشكل لافت.
هذا الواقع جعل المجوهرات، إلى جانب الساعات، هدفًا ذا قيمة متزايدة بالنسبة للعصابات.
غير أن الأرقام لا تعكس فقط حجم الجريمة، بل أثرها المباشر على المجتمع.
فوفق معطيات صادرة عن مؤسسات بحثية، واصلت نسبة القضايا التي تنجح شرطة العاصمة في حلّها ضمن جرائم السطو تراجعها منذ عام 2022، لتبلغ نحو 5% فقط في أحدث الإحصاءات المتاحة، ما يفاقم شعور الإفلات من العقاب.
في المقابل، تشير بيانات مؤسسات متخصصة بتتبع الساعات المسروقة إلى تصاعد القلق بين السكان، إذ أعرب قرابة نصف مالكي الساعات الفاخرة في المملكة المتحدة عن خشيتهم من ارتدائها في الأماكن العامة.
كما تُظهر بيانات مستخرجة عبر طلبات حرية المعلومات أن نحو خُمس سرقات الساعات المسجّلة في لندن خلال العام الماضي اقترنت بأشكال من العنف، ما يعكس انتقال هذه الجرائم من سرقات خاطفة إلى اعتداءات تنطوي على مخاطر جسدية مباشرة.
ولا تقف تداعيات هذه الظاهرة عند حدود الخسائر المادية.
فوسائل التواصل الاجتماعي باتت تؤدي دورًا مزدوجًا، سواء في رصد أنماط الرفاهية وتحديد الضحايا المحتملين، أو في تسويق المسروقات لاحقًا عبر قنوات يصعب ضبطها، ما يعمّق الإحساس بعدم الأمان في المدينة.
وبينما تتواصل التحقيقات وتُسجَّل حوادث جديدة بوتيرة متقاربة، تبدو هذه الموجة مؤشرًا على تحوّل أعمق في طبيعة الجريمة داخل الفضاء الحضري اللندني.
فاقتلاع مظاهر الرفاهية من واجهات المتاجر لم يعد حدثًا عابرًا، بل جزءًا من مشهد يومي يعيد تشكيل علاقة السكان بمدينتهم، حيث يتقدّم الشعور بالحذر على الإحساس بالأمان، حتى في أكثر الأحياء ثراءً وحيوية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك