إيلاف من لندن: في عالمٍ يتحدث سكانه نحو سبعة آلاف لغة، تتنوّع سُبل التعبير عن السلام كما تتنوّع الأصوات التي تنطق به.
فاللغة، سواء أكانت منطوقة أم موقَّعة، تتجاوز كونها أداة للتواصل؛ إنها خزانٌ للمعرفة، ومرآةٌ للهوية، وجسرٌ يربط الإنسان بتاريخه وثقافاته وبيئته، ويمنحه مفاتيح فهم العالم من حوله.
ومن هذا المنطلق، أقرت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) عام 1999، وبمبادرة من بنغلاديش، اليوم الدولي للغة الأم، تأكيدًا على أن التنوع اللغوي ليس ترفًا ثقافيًا، بل ضرورة إنسانية تمسّ الحاضر وتصوغ المستقبل.
ومنذ ذلك الحين، تحوّل هذا اليوم إلى مناسبة عالمية للتذكير بأن حماية اللغات تعني حماية الكرامة الإنسانية وصون حق الشعوب في التعبير عن ذاتها بلغتها الأم.
إلا أن الرهان اليوم لم يعد ثقافيًا فحسب، بل رقميًا كذلك.
فالمحتوى المتاح على الإنترنت والبيانات التي تقوم عليها أنظمة الذكاء الاصطناعي لا تعكس سوى نسبة محدودة من لغات العالم، الأمر الذي يهدد بتوسيع فجوة التمثيل الرقمي، ويعرّض آلاف اللغات لخطر التهميش، ويقصي مجتمعات كاملة من فرص المشاركة الفاعلة في الاقتصاد المعرفي.
إن التنوع اللغوي لا يعني اختلاف المفردات فحسب، بل يعكس تنوعًا في أنماط التفكير، ومنظومات القيم، وطرائق إدراك الواقع.
وعندما تُصان اللغات وتُحترم، تُصان معها حقوق أصحابها في الحضور والمشاركة وصياغة السردية الإنسانية بلغتهم الخاصة.
لذلك يظل الحفاظ على هذا التنوع ركيزة أساسية لتحقيق الشمول، وتعزيز العدالة الرقمية، وترسيخ أسس سلام مستدام في عالم يتزايد ترابطه يومًا بعد يوم.
تركّز فعاليات اليوم الدولي للغة الأم لعام 2026 على تمكين الشباب وإبراز دورهم في صياغة مستقبل التعليم المتعدد اللغات.
ويجسّد شعار هذا العام، " آراء الشباب بشأن التعليم المتعدد اللغات"، قناعةً بأن اللغة ليست وسيلة تواصل فحسب، بل عنصر محوري في بناء الهوية، وتعزيز التعلم، ودعم الرفاه، وترسيخ المشاركة المجتمعية.
كما يشدد الاحتفال على أهمية أن تعترف الأنظمة التعليمية بلغات المتعلمين وتثمّنها، بما يعزز الإدماج ويرتقي بمخرجات التعليم.
وفي هذا السياق، دُعيت المدارس حول العالم للمشاركة في فعالية" حرم اليونسكو المدرسي" التي نُظّمت عبر الإنترنت في 13 شباط/فبراير تمهيدًا للاحتفال باليوم الدولي.
وقد أُتيحت الفرصة للطلبة الذين تتراوح أعمارهم بين 13 و18 عامًا للتفاعل عبر منصات الدردشة مع خبراء دوليين وأقرانهم من مختلف المناطق.
وخلال هذه اللقاءات، تبادل الشباب تجاربهم، واقترحوا خطوات عملية يمكن أن تسهم في تعزيز التنوع اللغوي داخل مدارسهم ومجتمعاتهم المحلية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك