من أعماق المدينة العتيقة في تونس العاصمة وصولاً إلى الأرياف الجهوية، رسمت الألحان الشعبية والإنشاد الديني والتقاليد الموسيقية المحلية صورةً متعددة عن التنوع الثقافي في هذا البلد.
ومع تسارع التحولات الرقمية والتعليمية، تتزايد الحاجة لتوثيق هذا التراث وحمايته.
ضمن هذا الإطار، صدر كتاب جماعي بعنوان" مباحث حول الموسيقى بالمدن والجهات التونسية" (دار سوتيميديا للنشر، 2026).
الكتاب هو نتاج ندوة وطنية علمية عُقدت في مايو/ أيار 2024، نظّمها مركز الموسيقى العربية والمتوسطية" النجمة الزهراء" في سيدي بوسعيد بالتعاون مع المعهد العالي للفنون والحرف في قفصة، ويضم أوراقاً بحثية تهدف إلى دراسة التراث الموسيقي التونسي من جوانبه المادية واللامادية، مع تحليل التحولات التاريخية والاجتماعية للموسيقى في مختلف الجهات.
يشمل الكتاب دراسات متخصصة تبيّن ثراء الموسيقى التونسية، حيث قدمت الباحثة سلوى بن حفيظ دراسة عن أعلام الموسيقى في المدينة العتيقة، مركزّة على نموذج" ربض باب الجديد"، بينما بحث أمين الزواري الإنشاد الديني في" منزل بوزلفة"، مسلطاً الضوء على التوازن بين البُعد الروحي والاحتفالي.
وقدمت نسرين الأحول قراءة تربط بين الأنثروبولوجيا والموسيقولوجيا لدراسة التراث الشعبي في قفصة، فيما تناول فاخر الرويسي الجدلية الموسيقية بين مدينة تونس والجهات الأخرى.
كذلك يربط الإصدار الهوية المحلية بالحداثة، ويؤكد ضرورة الحفاظ على التراث الموسيقي ونقله للأجيال المقبلة، كما يعالج تحديات الحاضر مثل التعليم عن بُعد لآلة" القانون" في قفصة (نوال غومة)، وضمان الجودة في التعليم الموسيقي العالي في العصر الرقمي (هيثم بوزغندة).
ويركز أيضاً على التوثيق التاريخي، من تسجيلات ولفغانغ لادي (1960) وموسيقى فترة الاستعمار، إلى الأداء النسائي في منطقة السند وفق الموروث الشعبي المحلي.
تُظهر دراسات الكتاب كيف يمكن قراءة الموروث الموسيقي في كل جهة على أنه نتاج ديناميكية اجتماعية وثقافية، حيث تتقاطع العادات المحلية مع التأثيرات الإقليمية والتغيرات الحديثة.
كما تلفت إلى العلاقة السوسيولوجية بين المركز والهامش، أي بين مدينة تونس والجهات الأخرى، وأُطر تبادل المعرفة الموسيقية والهوية الثقافية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك