بدأ سيناريو تأجيل الانتخابات النيابية في لبنان، المقرّرة في 10 مايو/ أيار المقبل، يتقدّم على باقي الاحتمالات، خصوصاً بعد كشف رئيس البرلمان نبيه بري أنّ سفراء اللجنة الخماسية، التي تضمّ قطر، والسعودية، والولايات المتحدة الأميركية، وفرنسا، ومصر، يحبّذون تمديد ولاية المجلس الحالي، ولو أنه شدد في المقابل على" تمسّكه بإنجازها حتى آخر دقيقة".
وتبرز عوامل عدّة تظهر اتجاهاً نحو التأجيل، على رأسها الضغط الدولي المؤيد لذلك، إلى جانب العوامل الداخلية المرتبطة بالخلاف حول ملف اقتراع المغتربين، والطعون التي بدأت تتقدم ربطاً به، إضافة إلى عدم تسجيل تحركات جدية ملموسة على مستوى الاستعدادات والحملات الانتخابية، ليبقى البحث الآن عن الطريق المؤدي إلى التمديد، وحامل هذه الشعلة، قد يكون النائب أديب عبد المسيح، الذي تقدّم في 2 فبراير/ شباط الحالي، باقتراح قانون معجّل مكرّر ينصّ على تمديد ولاية المجلس القائم حتى تاريخ أقصاه 31 مايو 2027، وذلك بذريعة الخطر الداهم الذي يواجه لبنان نتيجة وجود سلاح خارج إطار الدولة، وأسباب تقنية ولوجستية.
وعلم" العربي الجديد"، أن نصائح دولية، على رأسها أميركية، وصلت إلى كلّ من رؤساء الجمهورية جوزاف عون، والحكومة نواف سلام، والبرلمان نبيه بري، من أجل تأجيل الانتخابات لفترة غير طويلة، لأسباب عدة، أبرزها ضرورة تركيز السلطة حالياً على ملف حصرية السلاح بيد الدولة، دون التلهّي بأي ملفات أو استحقاقات أخرى، خصوصاً أن المجتمع الدولي يرى أن التغيير على مستوى شكل البرلمان، وميزان القوى داخله، لن يكون كبيراً في هذه المرحلة.
وتبعاً للمعلومات، ليس كل دول اللجنة الخماسية تدفع باتجاه التأجيل، وهي تدعو لضرورة احترام الاستحقاقات والمهل الدستورية، لكنها في الوقت نفسه لا تمانع حصوله لفترة قصيرة في ظلّ الظروف الراهنة، كما أن المجتمع الدولي يعتبر أن توقيت الانتخابات ليس مناسباً، بالنظر إلى التطورات الإقليمية المنتظرة، والتي من الممكن أن يكون لنتائجها انعكاس على الاستحقاق النيابي، كما هناك تفضيل لبقاء حكومة نواف سلام، ولا سيما أن الأخير متمسّك بإنجاز خطة حصرية السلاح، وهناك نوع من الرضا الخارجي عن أدائه، وعن تركيبة الحكومة الحالية.
وتقول مصادر مقرّبة من بري لـ" العربي الجديد"، إن الأخير، كما الرئيسين عون وسلام، " متمسّكون بإجراء الانتخابات، وحريصون على إنجازها في موعدها، فكما حصلت الانتخابات البلدية العام الماضي، يمكن أن تحصل النيابية هذا العام"، مشيرة إلى أن" هناك نصائح تأتي من الخارج بتأجيل الانتخابات لفترة قصيرة، ربطاً بالتطورات في لبنان والمنطقة، ولكن موقف لبنان الرسمي موحّد بضرورة إجراء الاستحقاق بموعده".
في الإطار، يوضح الأستاذ الجامعي المتخصّص في القانون الدستوري وسام اللحام لـ" العربي الجديد"، أنّ" التأجيل يحتاج إلى قانون يمدّد ولاية مجلس النواب، وعادة يرتبط بظروف استثنائية جدية، فهو مخالف للدستور، لكن تبقى الخشية أن يفشل المجلس الدستوري في إبطال قانون التمديد في حال جرى الطعن به، من خلال تبنّيه اجتهاداً سابقاً له حول التمديد الذي حصل عام 2014، يوم رُدّ الطعن بذريعة" الحيلولة دون التمادي في حدوث الفراغ في المؤسسات الدستورية، وذلك في حال كان التأجيل لفترة طويلة، أما إذا كان لفترة شهرين لأمور تقنية مثلاً، ممكن أن يكون الأمر مقبولاً لدى المجلس الدستوري".
ويعتبر اللحام أن" الطريق إلى التأجيل قد يكون بالتصويت على الاقتراح الذي تقدّم به النائب أديب عبد المسيح، علماً أنه مخالف لمبدأ دورية الانتخابات، ولا يوجد أي ظرف استثنائي يبرّر تمديد ولاية المجلس، حتى إن مدة التمديد التي يريدها الاقتراح، أي سنة، لا تدخل في عداد التمديد التقني، لا بل هي طويلة جداً، ولا يمكن تبريرها بالحاجة إلى تعديل قانون الانتخابات من أجل حلّ إشكالية اقتراع المغتربين".
ويلفت اللحام إلى أن" الأسباب الموجبة للتمديد التي وردت في الاقتراح، تربط بين حصر السلاح والانتخابات، والاحتلال الإسرائيلي، والعدوان اليومي والتوسّعي الذي يشمل مساحات جغرافية أوسع في الجنوب والبقاع ومناطق أخرى، والتوترات والتصعيد العسكري المرتقب في المنطقة، علماً أنّ هذه الظروف الاستثنائية التي يرتكز عليها غير موجودة لانتفاء شروطها القانونية، كون السلطة السياسية لا تجد أنها في مواجهة قوة قاهرة تمنعها من تنظيم الانتخابات، كما أن الذرائع التي تتحجج بها والأسباب الموجبة غير كافية إطلاقاً لتبرير التمديد، كون الحكومة تمكّنت من إجراء الانتخابات البلدية والاختيارية السنة الماضية في ظلّ استمرار الاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية، وتصاعد التوتر الإقليمي".
تبعاً لذلك، يضيف اللحام، " فإن الوضع الراهن لا يختلف من حيث واقعه القانوني عن الظروف التي كانت سائدة سنة 2025، الأمر الذي يوجب احترام المهل الدستورية وإجراء الانتخابات في موعدها".
ويلفت اللحام في المقابل، إلى أن" كلّ المؤشرات توحي بأن لا أحد يأخذ الانتخابات على محمل الجدّ، ولا تحضيرات رُصِدت بعد، والقوى المسيطرة على لبنان ممكن أن ترفع السقف للتفاوض على ثمن التمديد، الذي يستفيد منه رئيس الحكومة والحكومة التي تبقى قائمة، وتتمتع بكل الصلاحيات، كما أن رئيس المجلس يبقى على رأسه عند تمديد ولاية البرلمان"، مشيراً إلى أن" هناك اقتراح قانون للتأجيل، إذا أراد بري التأجيل سيضعه على جدول أعمال جلسة عامة يدعو إليها، وإذا لم يرده، فسيعطّل الجلسات كما فعل طوال الفترة الأخيرة بتعطيله مشروع القانون الذي أحالته الحكومة لتعديل قانون الانتخابات وإلغاء الدائرة الـ16 لمرة واحدة استثنائياً".
على صعيدٍ ثانٍ، قد تكون الإشكالية المرتبطة بقانون الانتخابات والطعون، من الأسباب التي ستؤدي إلى التأجيل، ضمنها الجدل الذي أحدثه أخيراً طلب الترشيح الذي تقدّم به رجل الأعمال المغترب عباس فواز، المعروف بقربه من بري، عن الدائرة الـ16، وهي المخصصة للمقاعد الستة المتصلة بالمغتربين، والذي ردّته وزارة الداخلية، بسبب ما قالت إنه" تعذر فتح باب تقديم تصاريح الترشيح للدائرة الـ16، لعدم صدور النصوص القانونية والتطبيقية اللازمة حتى تاريخه"، ما سيدفعه إلى تقديم الطعن أمام مجلس الشورى.
وهنا يشير اللحام إلى أن الدائرة الـ16 هي غير قابلة للتطبيق، إما بسبب عدم صدور المراسيم والنصوص التي تجعلها قابلة للتطبيق، أو لأنها تحتاج إلى تدخل مجلس النواب عبر إقرار قانون جديد يوضح أحكام قانون الانتخابات الصادر عام 2017، وهذان أمران لم يحصلا، لكن تقاعس السلطة السياسية عن القيام بواجباتها لا يمكن أن يشكّل مبرّراً لتعطيل الحقوق الدستورية للمواطنين، ولا يمكن بالتالي معاقبة المواطنين، سواء بمنعهم من الترشح أو الاقتراع بالخارج، على صعيد المغتربين، أو تأجيل الانتخابات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك