يتذكر الصحفي أسعد طه -في حلقة جديدة من برنامج" قال الحكيم" على منصة الجزيرة 360 (يمكن متابعة الحلقة من خلال الرابط)- العدسات التي رصدته طوال يومه، لم يقف عند حدود الصورة، بل عبر إلى المعنى.
وقاده هذا التفكير إلى طرح عدة أسئلة منها: أيمكن للإنسان أن يكون خصما لنفسه وحَكَماً في آن واحد؟ أيمكنه أن يفتّش في نفسه من غير أن يقع أسير الوساوس؟ وعند الوصول إلى هذه المرحلة يتبدى الخيط الرفيع بين التسلّط على النفس باسم المحاسبة ومراقبتها بوصفها أداة تبصّر ووعي.
هذه التساؤلات كان قد استرعت اهتمام حكيم الصين كونفوشيوس الذي جعل ضمان السير في طريق الواجب رهنا بالإذعان للصوت الداخلي، وإدمان مراقبة النفس حتى تنكشف خباياها.
فالواجب عنده ليس شعارا يرفع، بل التزاما يعاش في السر قبل العلن.
ومن ضفاف الفلسفة الأوروبية، يطل ألبير كامو ليؤكد أن المفكر الذي لا يراقب نفسه يفقد قدرته على إقلاق محيطه، بينما يرى جيدو كريشنامورتي أن مراقبة النفس هي ذروة الذكاء، لأنها تحرّر الإنسان من أوهامه قبل أن تحرّره من قيوده.
غير أن التراث الإسلامي يحضر بقوة، فيُستعاد قول ابن خلدون عن ألفة النفس؛ فهي كثيرة التلون، وقد تألف الباطل حتى يغدو في عينيها حقا.
وهنا تتجلى خطورة الغفلة: حين يستقر الخطأ في الوجدان حتى يراه صوابا.
فالمراقبة ليست ترفا أخلاقيا، بل ضرورة لحماية الفطرة من الاعتياد الفاسد.
وتزداد المفارقة وضوحا مع ما نسب إلى الروائية الكندية لوسي مود مونتغمري من أن كثيرين يحسنون مراقبة جيرانهم ويهملون ذواتهم.
ثم تأتي وصية أحمد الرفاعي: " ارجع عن طريق الغفلة وادخل من باب اليقظة، وقف في ميدان الذل والانكسار، واخرج من مقام العظمة والاستكبار.
إنها دعوة إلى انقلاب داخلي، لا إلى انتصار خارجي".
أما النفس، فهي عند الحسن البصري رغبة تنازع إلى الشر إن لم تقارع، وعند ابن القيم فالنفس ذواقة تواقة؛ إذا ذاقت تاقت.
فهي بين الإفراط والتفريط، بين الشهوة والندم، تحتاج إلى قائد يقظ لا إلى سجان قاس.
وحين يسأل: كيف تكون المراقبة؟ يجيب أبو حامد الغزالي بأن يستحضر المرء علم الله به، وأن يدرك أن نفسه عدوّ متربص، فيسدّ المنافذ قبل أن تتسع.
ويجعلها ابن عطاء الله السكندري رأس الطاعات: مراقبة الحق على دوام الأوقات.
بهذا النسق الذي يذكّر بطريقة عباس محمود العقاد في مساءلة الفكرة ومطاردة جذورها، لا تنتهي الحلقة عند جواب حاسم، بل عند يقظة مفتوحة.
فالمراقبة ليست ظلا للريبة، بل هي نور للوعي؛ وليست سجنا للنفس، بل حراسة لها من نفسها.
ويبقى السؤال معلقا في أفق الفكر: من ذا الذي يملك الشجاعة ليرى نفسه كما هي؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك