«3000 ميجاوات من التكامل الاستراتيجي تمهد لتحول القاهرة إلى مركز ربط عابر للقارات وبورصة كهرباء تقود تدفقات الطاقة النظيفة بين أفريقيا وآسيا وأوروبا».
المشروع، الذي تصل قدرته إلى 3000 ميجاوات، يعتمد على تكنولوجيا التيار المستمر عالي الجهد، باستثمارات تقترب من 1.
8 مليار دولار، وهو رقم لا يعكس فقط حجم الإنفاق الرأسمالي، بل يعكس أيضًا حجم الرهان السياسي والاقتصادي الموضوع عليه.
وهذه القدرة تعادل ما يقرب من 10 في المئة من أقصى حمل شهدته الشبكة القومية المصرية، والذي تجاوز في فترات الذروة 34 ألف ميجاوات، كما تمثل نسبة مؤثرة من الأحمال السعودية التي تتخطى 60 ألف ميجاوات في الصيف.
إذًا نحن أمام قدرة تبادلية يمكنها أن تمتص صدمات الأحمال، وأن توفر احتياطيًا استراتيجيًا متبادلًا، بما يعيد تعريف مفهوم أمن الطاقة في البلدين.
الهندسة الكامنة خلف المشروع ليست تفصيلًا ثانويًا.
فمحطة محولات بدر العملاقة شرق القاهرة تمثل نقطة ارتكاز رئيسية، بخطوط هوائية تمتد لنحو 320 كيلومترًا بجهد 500 كيلوفولت، وكابلات بحرية تمر عبر خليج العقبة في واحدة من أكثر المناطق حساسية تقنيًا وبيئيًا.
هذه الشبكة المعقدة صُممت لتعمل بكفاءة في ظروف مناخية متباينة، ولتتحمل تغيرات مفاجئة في الأحمال، مع نظم تحكم رقمية متقدمة تتيح الاستجابة الفورية لأي اضطراب.
غير أن جوهر المشروع لا يكمن في المعدات، بل في منطق التشغيل.
فذروة استهلاك الكهرباء في مصر غالبًا ما تكون في ساعات المساء، بينما تبلغ في السعودية أقصاها خلال ساعات الظهيرة صيفًا بفعل الأحمال التبريدية.
هذا الاختلاف الزمني يخلق فرصة تبادل ذكي، بحيث يمكن لكل طرف أن يُصدّر الفائض حين ينخفض الطلب المحلي، ويستورد عند الحاجة دون اللجوء إلى تشغيل وحدات احتياطية مرتفعة التكلفة.
التقديرات تشير إلى أن هذا النمط من التكامل يمكن أن يوفر مئات الملايين من الدولارات سنويًا من تكاليف الوقود وتقليل استهلاك محطات الذروة، وهو ما ينعكس مباشرة على كفاءة الإنفاق العام واستدامة المالية العامة.
مصر، خلال العقد الأخير، استثمرت بكثافة في قطاع الكهرباء، لترتفع قدرات التوليد إلى ما يزيد على 59 ألف ميجاوات، مع فائض واضح في كثير من الفترات.
هذا الفائض لم يعد عبئًا، بل تحول إلى ورقة قوة.
والربط مع السعودية يفتح سوقًا أوسع لتصريف الطاقة، ويمنح الشبكة المصرية بُعدًا إقليميًا.
كما أن السعودية، وفي سياق رؤية 2030، تمضي في تنويع مزيج الطاقة والاستثمار في مصادر متجددة ومشروعات عملاقة تتطلب إمدادات مستقرة ومرنة.
من هنا يصبح الربط أداة لإدارة منظومة طاقة أكثر تنوعًا واستدامة لدى الطرفين.
لكن القراءة الأكثر عمقًا تضع المشروع في إطار أوسع من الثنائية المصرية–السعودية.
فمصر ترتبط كهربائيًا مع الأردن وليبيا والسودان، وتعمل على مشروعات ربط مع قبرص واليونان، بما يفتح أفقًا لربط أفريقيا بأوروبا عبر الأراضي المصرية.
وحين نضيف الربط مع السعودية، فإننا أمام نواة شبكة عابرة للقارات تربط أفريقيا بآسيا وتمتد نحو أوروبا.
وهذا ليس طموحًا نظريًا، بل مسار يتشكل تدريجيًا عبر خطوط وكابلات ومحطات تحويل.
القاهرة تتحول بذلك إلى عقدة ومركز ربط رئيسي، وممر إلزامي لتدفقات الطاقة النظيفة بين ثلاث قارات.
وفي عالم سلاسل الإمداد وممرات الطاقة، تصبح الدولة التي تملك مفاتيح الربط أكثر قدرة على التأثير.
الكهرباء هنا أداة نفوذ، وليست مجرد سلعة.
وحين تتحول مصر إلى مركز إقليمي لتجارة الطاقة، فإنها تعزز موقعها التفاوضي في ملفات الاستثمار، والهيدروجين الأخضر، وأسواق الكربون، والصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة.
كما أن وجود سوق إقليمي أوسع يمنح المستثمرين ثقة في استقرار الإمدادات واستدامتها، وهو عنصر حاسم في جذب رؤوس الأموال.
ومن زاوية أفريقية، يكتسب المشروع بُعدًا استراتيجيًا إضافيًا.
فالقارة التي تعاني فجوة كهربائية كبيرة، حيث يفتقر نحو 600 مليون أفريقي إلى الوصول المنتظم للكهرباء، إذا ما نجحت مصر في ترسيخ موقعها كمحور ربط بين أفريقيا وآسيا وأوروبا، فإنها تستطيع أن تلعب دورًا في تصدير الفائض مستقبلًا، وجذب استثمارات للبنية التحتية العابرة للحدود، وتعزيز التكامل القاري في إطار منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية.
وهذا يتسق مع رؤية مصر لدعم التنمية في القارة، ومع قناعتي بأن الطاقة هي المدخل الحقيقي لإطلاق إمكانات أفريقيا الصناعية والزراعية.
المشروع يعكس أيضًا مستوى متقدمًا من الثقة السياسية بين القاهرة والرياض، حيث إن تشابك الشبكات القومية ليس قرارًا فنيًا فقط، بل قرار سيادي بامتياز.
فالكهرباء تمس الصناعة والمياه والنقل والخدمات، وتمس حياة المواطن اليومية.
وحين تتشابك شبكتان بهذا الحجم، فإن ذلك يعني أن العلاقة تجاوزت حدود التنسيق إلى مستوى من الاعتماد المتبادل الإيجابي الذي يعزز الاستقرار على المدى الطويل.
داخليًا، يوفر المشروع لمصر فرصة لتعظيم الاستفادة من استثماراتها الضخمة في البنية التحتية الكهربائية.
والفائض يمكن أن يتحول إلى مصدر دخل عبر التصدير، وإلى عنصر جذب للصناعات كثيفة الطاقة، وإلى قاعدة لانطلاق مشروعات الهيدروجين الأخضر التي تستهدف الأسواق الأوروبية الباحثة عن مصادر نظيفة ومستقرة.
كما أن تقليل الحاجة إلى تشغيل محطات احتياطية باهظة التكلفة ينعكس على كفاءة التشغيل ويخفض الضغط على موارد الوقود.
إننا أمام نموذج للتكامل الوظيفي يبدأ من قطاع محدد، لكنه قابل للامتداد إلى قطاعات أخرى.
اليوم هو ربط كهربائي، وغدًا قد يكون تنسيقًا أوسع في سلاسل الإمداد الصناعية، أو في مشروعات الطاقة المتجددة المشتركة، أو في أسواق الكربون.
وهكذا تتشكل التكتلات الحقيقية عبر مصالح ملموسة وبنية تحتية مشتركة، لا عبر شعارات عابرة.
لحظة التشغيل التجريبي لن تكون مجرد اختبار تقني، بل إشارة سياسية واقتصادية إلى أن المنطقة قادرة على إنتاج نماذج تعاون متقدمة، وأن مصر التي راهنت على بناء بنية تحتية قوية خلال العقد الأخير بدأت تحصد ثمار هذا الرهان إقليميًا وقاريًا.
ومن كابلات في عمق البحر إلى معادلات نفوذ في خرائط الطاقة العالمية، يتجسد مشروع الربط المصري–السعودي عنوانًا لمرحلة جديدة، يكون فيها من يملك مفاتيح الربط أقرب إلى امتلاك مفاتيح المستقبل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك