في خضمّ النقاش الذي أثاره نائب برلماني حول سياسات التعليم العالي، يبرز سؤال جوهري من قلب الجامعة الجزائرية: هل نحن إزاء قراءة علمية موضوعية تستند إلى معطيات ميدانية وتقارير تقييمية، أم أمام خطاب سياسي تعبوي يُسقِط تعقيدات المنظومة الجامعية على عناوين جاهزة للاستهلاك الإعلامي؟فالجامعة ليست منصة خطابية عابرة، بل منظومة معرفية مركّبة تخضع لتوازنات بيداغوجية وبحثية ومؤسساتية واقتصادية، وأي تقييم لها ينبغي أن ينطلق من معايير علمية دقيقة لا من اعتبارات الظرف السياسي أو منطق المواعيد الانتخابية؛ إذ لا يُنكر أحد أن قطاع التعليم العالي شهد إصلاحات متعاقبة، بعضها حقق مكاسب ملموسة وبعضها الآخر أظهر تحديات تحتاج مراجعة، والمطلب الحقيقي ليس تغييب النقد، بل تأطيره ضمن حوار وطني جاد يُشرك جميع الفاعلين في القطاع، الذين يتعزّز لديهم انطباع أن بعض الانتقادات لا تستهدف وزارة التعليم العالي بقدر ما تستهدف برنامج رئيس الجمهورية، خاصة في محاوره الكبرى المتعلقة بانفتاح الجامعة على اللغات العالمية والاقتصاد وتشجيع المقاولاتية وربط البحث العلمي بالتنمية الوطنية، وهنا يتحول النقاش من تقييم سياسات قطاعية إلى مساءلة خيارات استراتيجية للدولة، ومن خلال هذا التقديم يمكن أن أوضح مجموعة من النقاط أوردها النائب في تعقيبه والتي يمكن تلخيصها في الآتي:
أولا: الإنجليزية… لغة علم أم سجال أيديولوجي؟الطعن في تعزيز تدريس اللغة الإنجليزية يضعنا أمام سؤال جوهري: هل نناقش لغة علم أم هوية سياسية؟فالإنجليزية اليوم هي لغة قواعد البيانات العالمية والنشر العلمي المفهرس والتعاون البحثي الدولي، والواقع الميداني داخل الجامعات يُظهر أن غالبية الطلبة يرحبون بها، وأن قطاعًا واسعًا من الأساتذة يعمل على تطوير قدراته بها، وأن المشاريع البحثية المشتركة تفرضها موضوعيًا.
ولعل ما يغفله بعض المنتقدين أن هذا التوجه لم يكن خياراً اعتباطياً ولا قراراً خاصاً بقطاع التعليم العالي وحده، بل فرضته ضرورة موضوعية، وكان مطلباً شعبياً عبرت عنه مختلف القطاعات قبل أن يتبناه السيد رئيس الجمهورية في إطار رؤية استراتيجية شاملة؛ فالتوجه نحو تعزيز اللغة الإنجليزية لم يقتصر على الجامعة الجزائرية، بل تم تطبيقه في إطار سياسة متكاملة شملت قطاعات التربية الوطنية والتكوين المهني وغيرها، بهدف بناء تناغم وطني يمنع أي انفصال لغوي أو أكاديمي بين مراحل التكوين.
وقد جاء هذا التوجه استجابة لمنطق العصر، حيث لم يعد ممكناً لأي نظام تعليمي أن يعزل نفسه عن لغة العلم والبحث والابتكار في القرن الواحد والعشرين.
والأكثر دلالة أن هذا التحول اللغوي لم يعد ظاهرة جزائرية أو عربية فقط، بل بات مساراً تعرفه حتى دول ذات تقاليد لغوية عريقة مثل فرنسا، التي وسعت برامجها الجامعية باللغة الإنجليزية استجابة لمتطلبات الجاذبية الدولية والتصنيفات الأكاديمية العالمية، فكيف لجامعتنا أن تظل شاذة عن محيطها الدولي، بينما العالم من حولنا يجعل من الإنجليزية جسراً للتفوق العلمي والانفتاح الأكاديمي؟ ومن المهم التأكيد أن ما يُروّج حول فرض اللغة الإنجليزية فرضاً قسرياً على الجامعة لا يعكس الواقع الميداني؛ فالتحول اللغوي في التعليم العالي لم يكن قراراً فجائياً ولا إجراءً فوقياً، بل مساراً تدريجياً رافقته آليات دعم عملية لمرافقة الأستاذ والطالب معاً.
فقد أُطلقت برامج تكوين واسعة داخل الجامعات مكّنت آلاف الأساتذة من متابعة تكوين متخصص في اللغة الإنجليزية، بطرق متعددة حسب الظروف؛ إما بالتسجيل في التعليم المكثف للغات، أو التسجيل كطالب جامعي في تخصص اللغة الانجليزية، أو في جامعة التكوين المتواصل، بل وتحصل عدد معتبر منهم على شهادات ماستر ودكتوراه فيها بعد أن فُتح لهم المجال للتسجيل كطلبة، ، في خطوة استثنائية هدفت إلى تشجيعهم على الانخراط في المسار الجديد لا إكراههم عليه.
وقد أفرز هذا التوجه نتائج ميدانية مشجعة، تمثلت في تحسن ملموس في قدرات التأطير البيداغوجي باللغة الإنجليزية، وتزايد المشاركة في مشاريع بحث دولية، وارتفاع وتيرة النشر العلمي في المجلات المفهرسة، كما يأتي في هذا السياق مشروع إرسال الأساتذة للتكوين في الدول الأنجلوساكسونية ابتداءً من هذا الموسم 2025/2026، مع تكفل الدولة بكامل المنحة من تذكرة وتأمين وحقوق الدراسة وكذا مصاريف الإقامة والإعاشة لمدة تصل إلى شهر سنويا، وهو ما يعكس أن المقاربة المعتمدة ليست مقاربة فرض، بل مقاربة تمكين تدريجي قائمة على التكوين والمرافقة وبناء الكفاءة.
ثانيا: المقاولاتية الجامعية… خيار وطني أم انحراف؟وصف المقاولاتية الجامعية بأنها انحراف عن رسالة الجامعة يكشف قراءة تقليدية لمفهومها، بينما يؤكد النموذج العالمي اليوم أن الجامعة أصبحت محركًا اقتصاديًا ومصدرًا لخلق المؤسسات الناشئة، وأن البحث التطبيقي رافعة أساسية للتنمية، ودور وزارة التعليم العالي في هذا المسار ليس التمويل المباشر، بل التكوين والتأهيل وإنشاء الحاضنات ومراكز الابتكار ومرافقة الطلبة في إعداد مشاريعهم، أما التمويل فيبقى من اختصاص هيئات حكومية واقتصادية شريكة، وحتى إن كانت التجربة تسير بوتيرة تدريجية، فهي تجربة حديثة في السياق الجزائري، ومنهجية البناء المؤسسي تقتضي إعطاء الوقت الكافي والتقييم المرحلي والتصحيح المتدرج، لا إطلاق الأحكام القطعية في بدايات المسار.
أما فيما يتعلق بنظام” LMD”، من الإنصاف التذكير أن من أوائل الملفات التي طرحتها وزارة التعليم العالي كان إصلاح الخدمات الجامعية وتقييم النظام نفسه، وقد شرع القطاع فعلاً في رقمنة الخدمات الجامعية، حتى في تسيير الإطعام والمنح وصفر ورقة.
ما سمح بتقليص الهدر وتحسين الشفافية، أما مراجعة نظام LMD فقد فُضّل التريث فيها باعتباره ملفًا استراتيجيًا يحتاج تقييمًا شاملاً لتفادي تكرار أخطاء سابقة، وهنا ينبغي التمييز بين اقتراح الإصلاح واتخاذ القرار السيادي، فالأول قطاعي والثاني وطني.
ثالثا: التكوين المتواصل… سياسة دولية ناجعة إذا لقيت الظروف المناسبة.
الهجوم على جامعة التكوين المتواصل يتجاهل التحولات العميقة التي تعرفها هذه المؤسسة، خاصة بعد الإصلاحات التنظيمية الحديثة؛ فقد شهدت رقمنة شاملة لمساراتها، حيث تمت رقمنة %100 من عمليات التسجيل والمتابعة، وتوسيع التعليم عن بعد ليشمل آلاف المستفيدين سنوياً، وتعزيز شفافية التسجيل والتقييم عبر منصات رقمية مفتوحة، وتوسيع الولوج لفئات مهنية متعددة، وهي بذلك تجسد مفهوم “التعلم مدى الحياة” الذي تتبناه الأنظمة التعليمية المتقدمة؛ فهل المطلوب إضعاف هذه الجسور أم تطويرها؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك