يستعدّ الاتحاد الأوروبي لتجميد عملية المصادقة على اتفاقه التجاري مع الولايات المتحدة، في ظل سعيه للحصول على توضيحات إضافية من إدارة الرئيس دونالد ترامب بشأن برنامجه الجديد للتعرفات الجمركية.
وأعلنت الكتل السياسية الرئيسية في البرلمان الأوروبي أنها ستعلّق، اليوم الاثنين، العمل التشريعي المتصل بالموافقة على الاتفاق، وذلك بعد أيام من قرار المحكمة العليا الأميركية إبطال استخدام ترامب لقانون الصلاحيات الطارئة لفرض ما سمّاه التعرفات المتبادلة على مستوى العالم.
وتراجعت الأسهم الأوروبية إلى أدنى مستوياتها خلال الجلسة عقب انتشار الخبر، إذ انخفض مؤشر" ستوكس أوروبا 600" بنسبة 0.
4%.
وفي هذا السياق، قالت زليانا زوفكو، المقررة الرئيسية لشؤون التجارة في كتلة حزب الشعب الأوروبي بشأن الاتفاق مع الولايات المتحدة، في مقابلة مع" بلومبيرغ": " ليس لدينا خيار سوى تأجيل عملية المصادقة إلى حين اتضاح الصورة".
ومن المتوقع أن تنضم كتلة حزب الشعب الأوروبي، أكبر تكتل سياسي في البرلمان، إلى مجموعات الاشتراكيين والديمقراطيين و" رينيو" الليبرالية لدعم قرار التجميد.
من جهته، دعا بيرند لانغه، رئيس لجنة التجارة في البرلمان الأوروبي، إلى اجتماع طارئ في وقت لاحق اليوم لإعادة تقييم الاتفاق التجاري بين الجانبين.
وكان قد أشار خلال عطلة نهاية الأسبوع إلى ضرورة تعليق العمل على الاتفاق إلى أن يتلقى الاتحاد الأوروبي مزيداً من التوضيحات بشأن التعرفات الجديدة.
كما يعقد سفراء الاتحاد الأوروبي اجتماعاً بعد ظهر اليوم لمناقشة مستقبل العلاقات التجارية مع واشنطن.
وكان ترامب قد أعلن، عقب قرار المحكمة، فرض تعرفة جمركية عالمية بنسبة 10% قبل أن يرفعها لاحقاً إلى 15%، ما ترك العديد من التساؤلات مفتوحة أمام الشركاء التجاريين للولايات المتحدة، وأثار حالة من الاضطراب وعدم اليقين في الأسواق.
وسبق أن جمّد نواب البرلمان الأوروبي عملية المصادقة على الاتفاق بعد تهديد ترامب بضم غرينلاند.
وينص الاتفاق، الذي أُبرم الصيف الماضي بين ترامب ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، على فرض تعرفة بنسبة 15% على معظم صادرات الاتحاد الأوروبي إلى الولايات المتحدة، مقابل إلغاء الرسوم على السلع الصناعية الأميركية المصدّرة إلى التكتل.
كما تبقي الولايات المتحدة على تعرفة بنسبة 50% على واردات الصلب والألمنيوم الأوروبية.
وكان الاتحاد الأوروبي قد وافق على هذا الاتفاق، رغم اعتباره غير متكافئ، تجنباً لحرب تجارية شاملة مع واشنطن، وللحفاظ على الدعم الأمني الأميركي، لا سيما في ما يتعلق بأوكرانيا.
وكان البرلمان الأوروبي يستهدف إتمام المصادقة عليه في مارس/آذار.
غير أن مسار الاتفاق لم يكن سهلاً، إذ وسّعت الولايات المتحدة، بعد التفاهم الأولي، نطاق التعرفة البالغة 50% على المعادن لتشمل مئات المنتجات الإضافية، ما أثار استياء واسعاً داخل المؤسسات الأوروبية.
كما فاقمت تهديدات ضم غرينلاند من حدة التوتر، ودفع بعضها إلى المطالبة بإلغاء الاتفاق.
وعقب تراجع ترامب عن مساعيه لضم غرينلاند، وهي إقليم دنماركي، استأنف البرلمان الأوروبي لفترة وجيزة إجراءات المصادقة، لكنه أدرج تعديلات من بينها" بند الغروب"، الذي يقضي بإعادة الاتفاق إلى مؤسسات الاتحاد الأوروبي الأخرى لمزيد من التفاوض، حتى في حال إقراره نهائياً من البرلمان.
يأتي تجميد البرلمان الأوروبي لمسار المصادقة على الاتفاق التجاري مع الولايات المتحدة في سياق بيئة دولية تتسم بارتفاع منسوب الحمائية التجارية، وتزايد عدم اليقين بشأن السياسات الجمركية الأميركية، ما ينعكس مباشرة على سلاسل الإمداد والاستثمارات العابرة للأطلسي.
وتمثل الولايات المتحدة أكبر شريك تجاري للاتحاد الأوروبي، إذ تتجاوز قيمة التبادل السلعي والخدمي بين الطرفين مئات مليارات الدولارات سنوياً، فيما ترتبط الشركات الأوروبية والأميركية بشبكات استثمار متبادلة عميقة، خاصة في قطاعات الصناعة الثقيلة، السيارات، التكنولوجيا، والطاقة.
وبالتالي فإن أي تعديل مفاجئ في الرسوم الجمركية يؤثر في كلفة الإنتاج، وهوامش الربح، وتنافسية الصادرات الأوروبية.
غير أن إعلان فرض تعرفة عالمية بنسبة 10% ثم رفعها إلى 15% أعاد خلط الأوراق، وطرح تساؤلات حول مدى استقرار الإطار التفاوضي نفسه.
فعدم وضوح السياسة التجارية الأميركية يزيد من مخاطر الائتمان والاستثمار، ويؤثر في قرارات الشركات الأوروبية المرتبطة بعقود طويلة الأجل أو سلاسل توريد عابرة للحدود.
كما أن استمرار الرسوم البالغة 50% على الصلب والألمنيوم الأوروبيين يضغط على صناعات استراتيجية داخل الاتحاد، خصوصاً في ألمانيا، وإيطاليا، وإسبانيا، حيث تشكل الصناعات التحويلية ركيزة أساسية للنمو والتشغيل.
في هذا السياق، لا يقتصر القرار الأوروبي على بُعد سياسي، بل يرتبط أيضاً بإدارة المخاطر الاقتصادية، إذ يسعى البرلمان إلى تجنب تثبيت اتفاق طويل الأجل في ظل بيئة تجارية غير مستقرة، ما قد يقيّد قدرة الاتحاد على إعادة التفاوض أو تعديل شروطه إذا ما تغيّرت السياسة الجمركية الأميركية مجدداً.
بعبارة أخرى، التجميد يعكس محاولة لإعادة تقييم الكلفة الاقتصادية للاتفاق مقارنة بمخاطر الانكشاف على قرارات أحادية قد تعيد إشعال توترات تجارية أوسع بين أكبر اقتصادين غربيين.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك