يُعدّ التكافل من أهم القيم التي تميز المجتمع المصري عبر تاريخه الطويل، فهو ليس سلوكًا طارئًا ولا تقليدًا موسميًا، بل هو جزء أصيل من تكوين الشخصية المصرية.
منذ آلاف السنين، ارتبطت حياة المصريين بفكرة التشاركية والتعاون، لأنهم أدركوا مبكرًا أن البقاء والاستقرار لا يتحققان إلا بالعمل الجماعي.
من ضفاف النيل في عصر الفراعنة، حيث كان الناس يتكاتفون لتنظيم الزراعة والري، إلى أحياء المدن والقرى اليوم، ظل التكافل قيمة حاضرة بقوة في وجدان المجتمع.
في الحضارة المصرية القديمة، لم تكن مشروعات الري وبناء المعابد والأهرامات لتتحقق لولا روح العمل الجماعي والإيمان بأن المصلحة العامة مقدّمة على الفردية.
هذا الإرث التاريخي ترك أثره في الثقافة الشعبية، فصار التعاون جزءًا من السلوك اليومي.
ومع تعاقب العصور، تطورت أشكال التكافل، لكنها احتفظت بالجوهر ذاته: أن يشعر كل فرد بمسئوليته تجاه الآخرين.
من أبرز صور التكافل في المجتمع المصري ما نراه في المناسبات الاجتماعية، سواء في الأفراح أو في الأحزان.
في الأفراح، يتجلى نظام «النقوط» كآلية اجتماعية بسيطة لكنها عميقة الدلالة؛ إذ يقدّم الأقارب والأصدقاء مساهماتهم المالية دعمًا للعروسين، في صورة تعكس المشاركة الفعلية في تحمل أعباء الحياة الجديدة.
النقوط ليس مجرد هدية، بل هو تعبير عن تضامن اجتماعي يخفف العبء ويؤكد أن الفرح مسئولية مشتركة.
أما في المآتم، فتظهر قيمة التكافل في أبهى صورها الإنسانية.
في الريف المصري خاصةً، تتسابق الأسر لإعداد الطعام وتقديمه لأهل المتوفى وللمشاركين في العزاء.
هذا السلوك لا ينبع من واجب شكلي، بل من إحساس صادق بأن أهل الفقيد في حاجة إلى من يساندهم في لحظة الألم.
نظام «الصواني الجماعية» الذي نراه في هذه المناسبات هو صورة واضحة للتكافل؛ حيث تتجمع الأيادي لتخفيف عبء الحزن، وكأن المجتمع بأكمله يقول للأسرة المنكوبة: لستم وحدكم.
ومن صور التكافل الراسخة أيضًا نظام «الجمعيات» أو الادخار الشعبي، وهو منتشر في مختلف الأوساط الاجتماعية، من الطبقات البسيطة إلى المتوسطة.
تقوم فكرته على مساهمة مجموعة من الأفراد بمبلغ ثابت دوريًا، يحصل عليه أحدهم بالتناوب.
هذا النظام يعكس ثقة متبادلة بين المشاركين، ويُظهر كيف يمكن للتعاون أن يحقق أهدافًا مالية قد يصعب تحقيقها بشكل فردي.
الجمعيات ليست مجرد وسيلة ادخار، بل هي شبكة دعم اجتماعي قائمة على الالتزام والثقة.
وفي شهر رمضان، تتجلى روح التكافل بوضوح أكبر.
تنتشر موائد الرحمن في الشوارع والميادين، حيث يجلس الغني والفقير جنبًا إلى جنب حول مائدة واحدة.
هذه الصورة تحمل دلالة عميقة على المساواة الإنسانية والتراحم.
كذلك نرى «شنط» وكراتين رمضان التي تُجهزها الأسر والجمعيات الخيرية لتوزيعها على المحتاجين، في مشهد يتكرر كل عام ويؤكد أن التكافل ليس مجرد شعار، بل ممارسة متجذرة في الضمير الجمعي.
ولا يقتصر التكافل على المساعدات المادية فقط، بل يمتد إلى الدعم المعنوي والمشاركة الوجدانية.
فالمصري بطبعه يسارع إلى السؤال عن جاره، ويهتم بأحوال أقاربه، ويحرص على أن يكون حاضرًا في لحظات الفرح والحزن.
هذه الروابط الاجتماعية المتينة تمنح المجتمع قوة داخلية تجعله أكثر قدرة على مواجهة التحديات.
إن الإيمان الجمعي بفكرة التكافل يمنح المجتمع المصري خصوصية واضحة.
فبينما تميل بعض المجتمعات الحديثة إلى الفردية، يحتفظ المصري بروح الجماعة، ويشعر بأن نجاحه لا يكتمل إلا بنجاح من حوله.
هذه الروح تخلق شبكة أمان غير مرئية تحيط بالأفراد، وتخفف من آثار الأزمات الاقتصادية والاجتماعية.
غير أن الحفاظ على هذه القيمة يتطلب وعيًا متجددًا، خاصة في ظل التحولات السريعة التي يشهدها العالم.
من المهم أن نُعلّم أبناءنا أن التكافل ليس مجرد عادة اجتماعية، بل هو قيمة أخلاقية تعكس قوة المجتمع وتماسكه.
كما ينبغي تطوير أشكال حديثة للتكافل تتناسب مع العصر، مثل المبادرات التطوعية، والعمل الأهلي المنظم، واستخدام التكنولوجيا لتسهيل المساعدات والوصول إلى المستحقين.
ختامًا، يظل التكافل أحد الأعمدة الأساسية التي يقوم عليها المجتمع المصري.
هو قيمة تربط الماضي بالحاضر، وتمنح الأمل في مستقبل أكثر تماسكًا وإنسانية.
ففي كل صينية طعام تُحمل إلى بيت حزين، وفي كل نقوط يُقدّم لعروسين، وفي كل جمعية تُقام بين الأصدقاء، تتجسد روح مصر الحقيقية: روح العطاء والمشاركة، وروح المجتمع الذي يؤمن أن اليد الواحدة قد لا تصفق، لكن الأيادي المتكاتفة تصنع الحياة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك