منبر بنيان مقالات من بطون كتب ونبض الواقع.
في ختام مقالنا السابق حول الفقر،
طرحنا سؤالًا مكملًا لا يقل تعقيدًا: إذا كان الفقر في كثير من حالاته نتيجة خلل هيكلي لا مجرد تقصير فردي، فما الصورة العادلة لتوزيع الثروة والفرص في المجتمع؟ هل العدالة الاقتصادية تعني أن يكون الناس متساوين في النتائج؟ أم يكفي أن تتساوى نقطة الانطلاق وتُترك المسارات للجهد والاختيار؟هذا السؤال ليس حديثًا، بل يمتد من الفلسفة القديمة إلى النقاشات السياسية المعاصرة.
وهو سؤال تتقاطع فيه الأخلاق مع الاقتصاد، والنظرية مع الواقع.
في التقليد الليبرالي الكلاسيكي، الذي تبلور مع آدم سميث، لم تكن المساواة في الدخل هدفًا بحد ذاته.
كان التركيز على حرية التبادل وتوسيع السوق، باعتبار أن النمو الاقتصادي يرفع مستوى المعيشة للجميع.
العدالة هنا تعني إزالة القيود أمام المبادرة الفردية، لا إعادة توزيع الثروة بصورة جذرية.
لكن مع الثورة الصناعية واتساع الفجوات الطبقية، برز نقد عميق لهذا التصور عند كارل ماركس.
في تحليله، المساواة الشكلية أمام القانون لا تمنع تراكم رأس المال في يد قلة.
السوق، من دون تدخل، يعيد إنتاج التفاوت.
العدالة عنده لا يمكن أن تتحقق إلا بتغيير بنية الملكية نفسها، لا بمجرد تحسين شروط المنافسة.
في القرن العشرين، حاولت الفلسفة السياسية إعادة صياغة السؤال بعيدًا عن الثنائية الحادة بين الرأسمالية والاشتراكية.
هنا يظهر اسم جون رولز، الذي قدّم في كتابه “نظرية في العدالة” (1971) تصورًا أصبح مرجعًا عالميًا.
اقترح رولز مبدأين:
ضمان الحريات الأساسية للجميع؛ وثانيًا،
السماح بالتفاوت الاقتصادي فقط إذا كان في مصلحة الأقل حظًا.
العدالة ليست مساواة مطلقة، لكنها ليست أيضًا تركًا مطلقًا للسوق.
إنها مزيج من الحرية والإنصاف.
رولز ميّز بوضوح بين “المساواة في النتائج” و“المساواة في الفرص”.
فالمساواة في النتائج قد تعني توزيعًا متطابقًا للدخل، وهو أمر قد يُضعف الحوافز ويقيد الابتكار.
أما المساواة في الفرص فتعني أن لا يكون الفقر أو الغنى مسألة وراثة اجتماعية.
أن لا يُحرم طفل من التعليم الجيد بسبب مكان ولادته.
أن لا تكون الرعاية الصحية امتيازًا طبقيًا.
غير أن هذا التمييز نفسه تعرض لنقد.
رأى أمارتيا سن أن الحديث عن “الفرص” وحدها قد يكون مضللًا إذا لم نأخذ في الاعتبار اختلاف القدرات الفعلية بين الناس.
شخصان قد يمتلكان الفرصة نفسها نظريًا، لكن أحدهما يعاني من مرض مزمن أو بيئة اجتماعية مقيدة.
العدالة في نظر سن تعني تمكين الأفراد من تحقيق “قدراتهم”، لا الاكتفاء بإعلان تكافؤ شكلي.
وفي الاتجاه المقابل، دافع فريدريش هايك عن فكرة أن العدالة الاجتماعية مفهوم ملتبس إذا طُبّق على نتائج السوق.
السوق عنده نظام تلقائي لتنسيق المعلومات، وليس جهازًا أخلاقيًا يُحاسَب على مخرجاته.
محاولة فرض مساواة واسعة قد تقود إلى تقييد الحرية الاقتصادية، وهو ما يهدد بدوره الازدهار العام.
التجارب المعاصرة تقدم أمثلة حية على هذا الجدل.
دول الشمال الأوروبي، مثل السويد والدنمارك، لا تفرض مساواة كاملة في الدخل، لكنها تعتمد نظمًا ضريبية تصاعدية قوية، واستثمارًا كثيفًا في التعليم والصحة، ما يقلص الفوارق ويعزز الحراك الاجتماعي.
في المقابل، تظهر اقتصادات أخرى نموًا مرتفعًا مع تفاوت واسع، حيث تتراكم الثروة بسرعة في قمة الهرم بينما تتباطأ دخول الطبقات الوسطى.
السؤال إذن ليس نظريًا فحسب، بل عملي: ما الحد المقبول للتفاوت؟ ومتى يتحول التفاوت من حافز للإبداع إلى خطر على الاستقرار الاجتماعي؟تشير دراسات اقتصادية حديثة إلى أن التفاوت المفرط قد يضعف النمو نفسه، لأنه يقلص الطلب الكلي ويحدّ من الاستثمار في رأس المال البشري.
كما أن الفجوات الواسعة قد تؤدي إلى استقطاب سياسي واجتماعي يهدد تماسك الدولة.
العدالة هنا ليست مسألة أخلاقية فقط، بل شرط استقرار اقتصادي.
العدالة الاقتصادية، في ضوء هذا النقاش، تبدو أقرب إلى معادلة دقيقة:
– لا مساواة قسرية تُطفئ روح المبادرة.
– ولا تفاوت منفلت يحوّل الفرص إلى امتيازات وراثية.
إنها بحث دائم عن توازن بين الحرية والمساواة، بين الكفاءة والإنصاف.
قد لا تعني العدالة أن يحصل الجميع على النتيجة نفسها، لكنها تعني أن لا يكون مصير الإنسان محددًا سلفًا بظروف ميلاده.
تعني أن يبقى باب الصعود مفتوحًا، وأن لا يتحول النجاح إلى حكر على فئة مغلقة.
وهنا يلتقي الاقتصاد مجددًا بالأخلاق.
فالأسواق قد تنتج ثروة، لكن المجتمع هو الذي يقرر كيف تُوزَّع أعباء تمويل الخدمات العامة، وكيف تُصان كرامة من تعثروا في السباق.
العدالة الاقتصادية ليست شعارًا أيديولوجيًا، بل إطارًا لفهم العلاقة بين الإنسان والثروة.
وإذا كان الفقر سؤالًا عن الحد الأدنى للعيش الكريم، فإن العدالة سؤال عن السقف الذي لا ينبغي أن يتحول إلى جدار يفصل مجتمعًا عن نفسه.
في المقال القادم يمكن أن نتناول سؤالًا متصلًا:
هل يمكن أن يكون السوق أخلاقيًا؟ أم أن الأخلاق دائمًا تأتي من خارج آلياته؟Adam Smith, The Wealth of Nations, 1776.
John Rawls, A Theory of Justice, 1971.
Amartya Sen, Development as Freedom, 1999.
Friedrich Hayek, The Mirage of Social Justice, 1976.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك