الصراع في الصحراء الغربية ليس خلافًا حدوديًا عابرًا، ولا نزاعًا إداريًا يمكن احتواؤه بتسوية تقنية تحسم تنازلات متبادلة؛ إنه صراع وجود يتعلّق بتحديد المصير بين أن تقوم الدولة كاملة السيادة أو يُراد للشعب أن يظل معلقًا في هوامش السيطرة.
إنه مواجهة بين مشروع تحرّر وواقع احتلال، بين إرادة تأسيس تُجسّدها الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية ومنطق توسّع يسعى إلى إعادة تشكيل الجغرافيا بما يخدم طموحًا استعماريًا متجددًا.
في هذا السياق، لا يُقاس الحل بمدى اقترابه من نقطة وسط هندسية بين طرفين، بل بقدرته على تكريس الحق كاملًا غير منقوص.
فأنصاف الحلول في قضايا الوجود لا تتحول إلى تسويات مستقرة، بل تؤجل الانفجار.
نصف استقلال ليس استقلالًا، ونصف سيادة صيغة لإدامة الهيمنة بوجه آخر.
من يملك أوراق التأثير الفاعل هو من يصوغ مصيره، أما من ينتظر عدالة مجردة بلا قوة، فإنه يراهن على فراغ.
حسم هذا الصراع لا يتوقف على عدالة القضية وحدها، مهما كانت ساطعة، بل على القدرة العملية على حشد أدوات الصمود وتطوير وسائل المقاومة في قفزة نوعية تترك أثرها في ميزان القوى.
فالحق الذي لا يُسنَد بقوة يتحول إلى رواية، والرواية إن لم تُحمَ بالفعل تتآكلها الوقائع.
والقضية التي لا تتحرك تبهت، والحق الذي لا يُدافَع عنه يعبث به الزمن.
إن محدودية الأفق المطروح اليوم ليست قدرًا محتومًا، بل نتيجة ميزان قابل لإعادة التشكل.
ومع تصاعد التنافس الإقليمي والدولي حول المنطقة، يغدو التردد كلفة إضافية.
في عالم سريع التحولات، يصبح البطء شكلًا من أشكال الاستنزاف، ويغدو الانتظار سياسة خاسرة.
وصحيح أن القضية لن تموت، لأنها قضية شعب مؤمن بحقه، غير أن الإيمان وحده لا يكفي.
القضايا العادلة تتغذى بالفعل، والسكون أخطر عليها من الخصومة المعلنة.
فإطالة الأمد دون حسم لا تعني سوى تراكم المعاناة، وجيلًا يولد على وعد لم يتحقق بعد يطرح سؤالًا مشروعًا حول أفق الغد.
هناك طفل في المخيم لم يرَ من الوطن سوى ما تحمله الذاكرة في الحكايات، وهناك شاب في المناطق المحتلة يتعلم مبكرًا معنى الكرامة تحت الرقابة.
هؤلاء ليسوا تفصيلًا عاطفيًا في السرد؛ إنهم مركز المعادلة الأخلاقي.
والزمن الذي يمر عليهم ليس رقمًا في تقويم سياسي، بل عمرًا يُستهلك من رصيد الانتظار.
ومن هنا، فإن رفع مستوى الفعل المقاوم بمختلف أشكاله يصبح ضرورة موضوعية لا شعارًا ظرفيًا: في الميدان، في الإعلام، في الفضاء الرقمي، في ساحات الترافع الدولي، وفي مساحات التنظيم الداخلي.
كما أن جيل التسعينيات والألفية الجديدة بات يمتلك من الوعي والقدرة ما يجعله رافعة حقيقية لتجديد أدوات النضال وإعادة ضخ الحيوية في مساراته.
فطاقة الشباب ليست فائضًا تعبويًا، بل عنصر تجدد تاريخي.
وإلى جانب ذلك، يمثل تحريك الحلفاء وتوسيع دائرة التأثير أحد مسارات المعركة الأساسية.
فتكثيف الحضور داخل مؤسسات الاتحاد الإفريقي عبر حملات دبلوماسية فاعلة يعيد وضع القضية في صدارة الأجندة القارية، ويحوّل الاعتراف السياسي إلى ضغط عملي.
فالمواجهة ليست عسكرية أو إعلامية فقط، بل هي أيضًا معركة تموضع وتوازنات، ومعركة تحويل الدعم النظري إلى فعل مؤثر.
قد تختلط الأوراق، وقد يُراد للوقت أن يتحول إلى أداة استنزاف؛ غير أن التاريخ لا ينحاز إلى الانتظار الطويل، بل إلى الإرادة التي تحوّل الضغط إلى قوة دفع.
كل مرحلة تحمل أوراقًا جديدة، غير أن اكتمالها رهين بقدرة الفاعلين على تحويل التحدي إلى فرصة، والانسداد إلى أفق.
الاستقلال ليس شعارًا يُرفع في المناسبات، بل مسارًا يُبنى بتراكم الجهد والانضباط ووحدة الصف.
وما يبدو اليوم سقفًا نهائيًا قد يغدو غدًا محطة عابرة، حين تتوفر الإرادة القادرة على إعادة صياغة المعادلة.
إن معركة الوجود لا تُحسم بالرغبات، بل بتحويل الإرادة إلى واقع.
وبين دولة كاملة السيادة وحالة معلّقة تُستنزف فيها الأجيال، لا يقف التاريخ في المنتصف.
إما أن نكون بقدر اللحظة، أو نترك الزمن يكتب عنا ما لم نكتبه نحن لأنفسنا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك