فوجئ أهالي حيّ جبل جالس في المنطقة الجنوبية من مدينة الخليل، مساء الخميس الماضي، باقتحام عشرات المستوطنين للحيّ وسط حماية مشدّدة من قبل قوّات الاحتلال الإسرائيلي، والسيطرة على خمس بنايات قديمة في المكان، في سابقة لم يعرفها الحي منذ عشرات السنين، حيث رفع المستوطنون أعلام" إسرائيل" على أسطح البنايات، ونصبوا شعار" نجمة داوود".
وأكد أهالي الحي، في حديثهم لـ" العربي الجديد"، أنّ الاستيلاء جرى عقب عملية" تسريب" للعقارات، متّهمين من وصفوهم بـ" ضعاف النفوس" بالوقوف وراء بيعها أو نقل ملكيتها بطرق مشبوهة.
ومساء اليوم ذاته، أعلن رئيس مستوطنة" كريات أربع" المقامة على أراضي الخليل، يسرائيل برامسون، تزامنًا مع أذان المغرب وساعة الإفطار في شهر رمضان، من على سطح أحد المباني التي جرى الاستيلاء عليها، أنّ جمعية" وسّعي مكان خيمتك" وضعت يدها على خمس بنايات في الحي.
ولا يُخفي برامسون، عبر صفحته على موقع فيسبوك، النيات الإسرائيلية الرامية إلى توسيع النشاط الاستيطاني، وإسناد الجماعات الداعمة له في المنطقة.
وتلا هذا الإعلان ما وُصف بـ" النشاط الافتتاحي الأول في الحي"، تمثّل في جولة ميدانية داخل المنطقة التي جرى الاستيلاء على منازلها، نفّذها ما يُسمّى قائد المنطقة الوسطى في جيش الاحتلال الإسرائيلي، آفي بلوط، برفقة رئيس فرع البنية التحتية في الإدارة المدنية الإسرائيلية، أفيئيل جيربي، كما اقتحمت وزيرة الاستيطان أوريت ستروك المنازل المستولى عليها صباح أمس الأحد.
وجاء الاستيلاء على المنازل عقب خلافات عائلية مسلّحة وقعت في المنطقة الأربعاء الماضي، ما شكّل ذريعة لقوات الاحتلال لاقتحام حيّ جبل جالس تحت شعار" فرض الأمن"، بحسب ما يقول وجيه الحيّ، راشد التميمي، في حديث مع" العربي الجديد".
وأثناء اقتحام الاحتلال للحيّ، كشف التميمي أنه اعتُدي على الأهالي الذين لم يكونوا طرفاً في الخلاف بشكل غير مسبوق.
وقال التميمي: " منذ عام 1967 لم يعتد علينا بذات الشكل (.
) انتشر الجنود بأعداد كبيرة، وداهموا عشرات المنازل بعد تكسير أبوابها في وقتٍ متزامن، واعتدوا على الأهالي بالضرب دون أي تحقيق أو استجواب"، مشيرًا إلى أن جنود الاحتلال اقتحموا منزله واعتدوا عليه وعلى أفراد عائلته بأعقاب البنادق، وقيدوا أيديهم وألقوهم أرضًا.
وذكر أن الجنود طالبوهم" بتسليم الأسلحة التي بحوزتهم"، في وقت نفى فيه التميمي وجود أسلحة عند السكّان سوى العائلات المتناحرة والتي قال إن الاحتلال يعرفها جيداً.
بالتزامن، كانت قوّات الاحتلال مع طواقم" الإدارة المدنيّة" وحرس الحدود الإسرائيلي تحمي اقتحاماً آخر للمستوطنين طاول عدداً من المنازل بهدف الاستيلاء عليها، فيما اعتبر التميمي أن ما جرى لم يكن سوى غطاء لعملية الاستيلاء.
وبيّن التميمي أن عملية الاستيلاء طاولت 4 بنايات مخلاة منذ عدّة أشهر، حيث إن سكّان هذه البنايات غادروها بعد بيعها لأحد أهالي المنطقة.
واستدرك التميمي: " من اشتروا العقارات معروفون بأنهم في دائرة الشبهة الأمنية، وموجودون في معظم الأوقات في الداخل الفلسطيني المحتل عام 1948، وهم شبّان في العشرينات من أعمارهم، ولكن يملكون مئات الآلاف من الشواقل (عملة إسرائيلية)".
وأضاف: " أحد المسرّبين اشترى عقارين من إحدى العائلات قبل عدّة أشهر، والآخر اشترى عقارين من عائلته، وكلاهما تحيط به الشبهات الأمنية بعلاقته مع ضبّاط الاحتلال والإدارة المدنية".
بدوره، أكّد رئيس اللجنة الأهلية للمنطقة الجنوبية بالخليل عودة الرجبي لـ" العربي الجديد" التفاصيل التي ذكرها التميمي عما جرى بحقّ أربع بنايات في المنطقة، باستثناء بناية واحدة لم يتم تسريبها من قبل أصحابها وتعود لعائلة مرّار.
وتواصل" العربي الجديد" مع جهاد مرّار، مالك أحد المنازل التي جرى الاستيلاء عليها، والذي نفى بشكل قاطع أي صلة له بعمليات تسريب للعقار.
وقال: " لو كنت قد سرّبت المنزل، لكنت غادرت المنطقة كما فعل آخرون اختفوا عن الأنظار منذ أسابيع وأشهر"، موضحاً أنه اشترى العقار بشكل قانوني قبل نحو أربع سنوات، وتوجد في الطابق الأرضي منه محالّ تجارية يعمل فيها ويؤجّرها.
وأشار إلى أنه أُخرج منها قسرًا بقوّة السلاح، بذريعة تنفيذ عمليات تفتيش عن أسلحة في المنطقة.
وقال مرّار: " أبلغني ضبّاط الاحتلال أن الجنود سيكونون في المنزل مؤقتًا إلى حين انتهاء عمليات البحث"، قبل أن يتبيّن لاحقًا، بحسب روايته، أن السيطرة جاءت في سياق تمكين المستوطنين من الاستيلاء على العقار.
وتابع: " لست بحاجة للأموال حتى أبيع منزلي للاحتلال، ولا أقبل على نفسي ذلك (.
) من قاموا بعملية التسريب معروفون لدى الجميع وهم الآن في (إسرائيل)، أما أنا فلن أترك حارتي التي أسكن فيها، ولدي منزل آخر في المنطقة سأبقى فيه، وأحاول يومياً العودة إلى منزل المستولى عليه".
وأبدى مرار تخوّفه من احتمال وجود صلة بين عملية الاستيلاء وما وصفه بشبهات تسريب، موضحًا أن أحد المتهمين في هذا الملف كان قد استأجر في وقت سابق محلًا تجاريًا يقع أسفل منزله.
وأشار إلى أن هذه المعطيات تثير لديه مخاوف من وجود علاقة محتملة بين المستأجر السابق وملف التسريب، في ظل ما اعتبره" تلاعبًا إسرائيليًا" رافق عملية السيطرة على العقار، مؤكدًا أن الملابسات المحيطة بالقضية تستدعي تحقيقًا وكشفًا للوقائع، إلا أنه أسر عن عدم ثقته بالأجهزة الأمنية الفلسطينية بالكشف عن تفاصيل الحادثة.
وعلم" العربي الجديد" من مصادر خاصّة بأن عمليات بيع العقارات في منطقة جبل جالس لا تتم إلا بحضور الأجهزة الأمنية الفلسطينية، ما يفتح الباب أمام تساؤلات حول دور الأمن الفلسطيني في مراقبة عمليات البيع تلك، وذلك لحساسية موقع الجبل الذي يقع بين مستوطنة" جفعات جال" الصناعية، وبين أحياء مستوطنة" كريات أربع"، حيث إنه مطمع لخلق تواصل استيطاني بين البؤر والأحياء الاستيطانية، وفق التميمي.
ولفت التميمي إلى أنّه يقطن نحو 1000 نسمة في الجبل، موزّعين على قرابة 100 منزل، يسكنون المنطقة منذ عشرات السنوات التي حاول الاحتلال فيها إيجاد ذرائع للاستيلاء على المنازل فيها، ولم يتمكّن، إلى أن تمّت عملية" التسريب".
وعن دور الجهات الرّسمية في متابعة القضيّة، يبيّن محافظ محافظة الخليل، خالد دودين، في حديث مع" العربي الجديد"، أنّ الجهات الرسمية تعمل على إجراءات تحقيقات في الحادثة، وأنها استدعت العائلات التي وردت أسماؤها في الأخبار المتداولة حول وجود تسريب عقارات، ويجرى التحقيق معهم.
ودعا إلى تجنّب التفاعل مع الأخبار الإسرائيلية التي تهدف إلى بثّ" الشائعات" إلى حين صدور نتائج التحقيقات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك