لم يتردد سفير الولايات المتحدة لدى إسرائيل «هاكابي» بالإجهار برغبته في استحواذ إسرائيل على أجزاء من بلاد الشرق الأوسط العربية باعتبارها منحة الله لشعبه المختار اليهود في ظل دهشة المذيع «تاكر كارلسون» وكأن لسان حاله يقول هل يعقل أن يصدر هذا التصريح الغوغائى من شخصية دبلوماسية؟ قانون الغاب يسود وكل شخص يريد إضفاء شرعية على جرائمه يقول «الله قال.
الله أعطى».
في المقابلة التي أثارت عاصفة من الجدل، بدا أن حدود الخطاب الدبلوماسي قد تلاشت، وحلّ محلها خطاب أيديولوجي صريح، انتقال الخطاب من حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها إلى مستوى التبرير العلني لسياسات توسعية معاصرة، هذا الحوار الذي تم وصفه بأنه «الأكثر إحراجاً» في سياق النقاشات العلنية حول الهوية في المنطقة العربية، خصوصاً عندما تم طرح مسألة الأصول العائلية لـ«نتنياهو» التي لا تمت بصلة إلى منطقة فلسطين كونه أوروبياً هو والعديد من المجنسين الإسرائيليين مغتصبي الأرض!
ما زاد المشهد تعقيداً هو ما تردد عن تعرض كارلسون لمعاملة متشددة في المطار عقب المقابلة شملت استجواباً مطولاً وتدقيقاً استثنائياً في أوراقه وتحركاته وصفه مقربون من المذيع بأنه «احتجاز غير مبرر».
إن الرسالة الرمزية كانت واضحة، النقد إن صدر من شخصية إعلامية أمريكية محافظة قد يكلّف صاحبه تضييقاً أو إحراجاً، هذا النوع من الإجراءات حين يُنظر إليه في سياق أوسع، يعكس حساسية متزايدة تجاه أي خطاب يُحرج الرواية الرسمية.
وهو ما يفتح سؤالاً مهنياً مهماً: هل ما زالت المساحة متاحة في الغرب لنقاش جاد حول سياسات الاحتلال والتوسع دون أن يتحول الأمر إلى تخوين أو تضييق؟مع إعلان الأطماع في سرقة الأراضى العربية من الجانب الإسرائيلي الأمريكي أصبح التحرك العربي ضرورة، مراراً وتكراراً لا سبيل لمواجهة الطوفان القادم إلا باتحاد دول الإقليم.
صحيح أن الإقليم يشهد حراكاً دبلوماسياً لافتاً ثمة اتجاه نحو إعادة ترتيب الأوراق عبر مقاربات براغماتية تتجاوز الاستقطابات التقليدية، لكن الحضور العربي الإقليمي يحتاج أن يكون أكثر قوة وتأثيراً.
بعض العواصم العربية تسعى لتوسيع هامش المناورة عبر تنويع الشراكات شرقاً وغرباً وتعزيز التنسيق الإقليمي في ملفات الأمن والطاقة والممرات البحرية.
التعاون المصري السعودي والتعاون المصرى الأردني التركي القادم بقوة، لكن مطلوب أصوات أكثر تحذيراً تنضم إلى الصوت المصري.
الحرب الأمريكية القادمة على إيران قطعاً ليست من أجل إنقاذ الشعب الإيراني من نظام ديكتاتوري كما يروج لها، إنما إيران هي قطعة أساسية يجب أن يتم إزالتها من طريق التوسع الإسرائيلي المعلن عنه، غزة، الضفة الغربية، لبنان كلها تمهيداً لطريق التوسع غير المنتهي، بعد إيران المواجهة تنتقل إلى تركيا ومصر.
في هذا السياق تبدو مؤشرات الانفتاح بين مصر وإيران- إن تُرجمت إلى تعاون فعلي- قد تعيد تشكيل موازين القوى الإقليمية.
تاريخ العلاقة بين البلدين عرف توترات طويلة، لكن حسابات المرحلة الراهنة، من أمن البحر الأحمر إلى استقرار غزة ولبنان، قد تدفع نحو تنسيق أمني وسياسي محدود يهدف إلى احتواء التصعيد ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهات أوسع، غير أن أي تقارب مصري - إيراني سيظل محكوماً بثوابت السياسة الخارجية المصرية: الحفاظ على الدولة الوطنية، منع تفكك الإقليم والتصدي لخطط إسرائيل التوسعية، وعدم الانخراط في محاور أيديولوجية صِدامية.
السؤال الأهم ليس في تصريح عابر - ولو كان وقحاً - بل في كيفية بناء موقف عربي يستند إلى: خطاب قانوني واضح يذكّر بمرجعية الشرعية الدولية وقرارات الأمم المتحدة - استراتيجية إعلامية احترافية توثق الانتهاكات وتخاطب الرأي العام الغربي بلغته وقيمه - تنسيق دبلوماسي فعّال يفعّل أدوات الضغط السياسي والاقتصادي المتاحة - وحدة موقف فلسطيني تعيد ترتيب البيت الداخلي وتمنح أي تحرك عربي غطاءً سياسياً متماسكاً.
إن تحويل «الوعد الإلهي» إلى ذريعة سياسية لا يغير من حقيقة أن العلاقات الدولية تُبنى على توازنات ومصالح وقوانين.
وإذا كان خطاب التوسع يُقال اليوم علناً، فإن الرد لا يكون بالشعارات، بل ببناء قوة قانونية وإعلامية ودبلوماسية قادرة على فرض معادلة مختلفة.
في النهاية، المنطقة لا تحتاج إلى مزيد من الخطابات الجهورية، بل إلى عقل بارد واستراتيجية طويلة النفس.
فالتاريخ لا يُكتب بالانفعال، بل بتراكم المواقف المدروسة وصياغة التحالفات التي تحمي الحقوق وتمنع منطق الغلبة من أن يصبح قدراً محتوماً.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك