تشبه الدراما التليفزيونية أوتار الكمان، لكل وتر وظيفته في النوتة الموسيقية يؤديها العازف الماهر لتوصيل النغمة المراد إيصالها إلى أذن المستمع، وكذلك تتنوع أشكال الدراما التليفزيونية، وكل مخرج يختار من بينها الوتر الذي يشعر معه بالقدرة على توصيل رسالته المنشودة من قصته، لم أجد تعبيراً أكثر ملاءمة للحالة التي خرج بها مسلسل «اتنين غيرنا» عندما اختار المخرج خالد الحلفاوي صاحب عدد كبير من البصمات الإخراجية في عدد من الأعمال الدرامية مؤخراً الوتر الهادئ الذي لا يُسبّب أي ضجيج في توصيل رسالة مسلسله الجديد، حيث عزف المخرج الموهوب في تجربته الجديدة «اتنين غيرنا» ومعه مؤلفة العمل رنا أبو الريش مقطوعة موسيقية درامية تصيب الروح بحالة سكينة وهدوء ممزوجة براحة شديدة في المتابعة وبسمة ترتسم على الوجه مع تصاعد الأحداث، واختار لعزف مقطوعته عازفين مهرة هم آسر ياسين ودينا الشربيني والفنانة الكبيرة سحر رامي ومعهم الممثلة الشابة نور إيهاب، ولنا معهم جميعاً وقفة في الحديث عن المسلسل الذي أرى فيه نموذجاً لمنهج الأعمال الدرامية الاجتماعية ذات اللمحة الرومانسية.
بدأ الأمر بالاستهلال المريح والمحترف لكل شخصيات المسلسل، خطان متوازيان يحكي كل منهما قصة بطلي العمل مع الكثير من المفارقات التي تتضح في ما بعد بوجود فواصل مشتركة بينهما دون الإشارة إليها إلا بعد انتهاء الاستهلال، وبالتحديد في الحلقة الثانية من المسلسل، ليكتشف المشاهد أن الاثنين قد جمعهما الكثير من المواقف والأماكن وحتى الأشخاص دون أن يعرفا أن القدر يُمهِّد للقاء منتظر بينهما، استخدم المخرج بقدرة فائقة «تكنيك» الفلاش باك في ما بعد لإظهار وجودهما معاً في أحداث أو أماكن لم يتخيلا يوماً أن تكون قد جمعت بينهما، ومع «تكنيك» آخر بانقسام الشاشة إلى نصفين، لنرى كلاً منهما منفرداً في حالته، لكنه في الوقت ذاته وكأنه ينظر إلى الشريك المنتظر دون أن يدري.
وبسلاسة شديدة لمرور الأحداث تُحسب بالتأكيد لمخرج العمل وقدرة أبطاله على تنفيذ تعليماته بمهارة شديدة وصلت الأحداث إلى اللقاء المنتظر دون أي تكلّف أو قفزة غير مبرَّرة في الأحداث، ليحدث اللقاء وتبدأ معه أحداث جديدة في حياة بطلي العمل دون أن تشعر لوهلة بوجود حدث غير مبرَّر أو موقف تم إقحامه لترتيب اللقاء.
كل ما يحدث أمامك على الشاشة لا تشعر معه أبداً بأي لحظة ملل أو تطويل في أحداث غير مبرَّرة وإنما بهدوء وتر الكمان الذي تحدثنا عنه في البداية، وساعده في صناعة تلك المقطوعة مهارة واحترافية وتلقائية بطلي العمل آسر ياسين ودينا الشربيني، الضلعين الأهم في كفة ميزان العمل تمثيلاً وأداءً، حيث التزم الثنائي بكل التفاصيل الصغيرة التي تؤكد طوال الأحداث على حالة التوحّد مع الشخصية لكل منهما؛ ثم يأتي الدور على واحدة من مفاجآت دراما رمضان الجميلة هذا العام، وهي عودة الفنانة سحر رامي في دور «أم البطل» بعد غياب عدة سنوات عن الشاشة، عودة هادئة ومختلفة لفنانة كبيرة تخوض تجربة جديدة في دور «أم آسر ياسين» في اختيار ربما يعكس رؤية مختلفة لمخرج العمل الذي اختارها لتجسيد الدور؛ ومن شدة جمال الفنانة سحر رامي وحرفيتها في تقديم تفاصيل صغيرة في الدور تقتنع تمام الاقتناع أثناء مشاهدتها أنها الأنسب للشخصية ولا يمكن أن تحل ممثلة أخرى محلها.
في حقيقة الأمر لا يمكن إغفال حالة التناغم الواضحة بين كل أبطال العمل مع القصة ورؤية المخرج التي استطاعت أن تحلّق بالمسلسل إلى المراتب الأولى بين الأعلى مشاهدة في دراما رمضان هذا العام وسط خريطة درامية متنوعة وتعزف على الكثير من «أوتار الكمان»، التي أعدتها الشركة المتحدة لجمهور الشاشة الرمضانية هذا العام.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك