يعرض المتحف المصري بالتحرير، تمثال حاملة القرابين من مقبرة مكت رع"، والتي تعد تحفة فريدة تعكس رؤية المصري القديم عن الحياة بعد الموت وبراعته الفنية التي تحدت الزمن.
تمثال حاملة القرابين من مقبرة" مكت رع" المعروض بالمتحف المصري بالتحرير.
وينتمي هذا العمل الفني الرائع إلى عصر الدولة الوسطى، وتحديدًا الأسرة الثانية عشرة في عهد الملك أمنمحات الأول، حيث تمكن العلماء بفضل النقوش الموجودة على نماذج أخرى من المقبرة من تأريخ هذه المجموعة بدقة إلى بداية عهده حوالي عام 1981 إلى 1975 قبل الميلاد، مما يجعلها وثيقة فنية وتاريخية صادقة لأزهى فترات الفن المصري القديم.
وتعود قصة اكتشاف هذه القطعة إلى موسم حفائر عام 1920 في مقبرة" مكت رع" الشهيرة بالدير البحري، حيث لم يكن الاكتشاف ضمن حفائر عادية، بل كان بمثابة مفاجأة كبرى لعالم الآثار الأمريكي هربرت وينلوك رئيس بعثة متحف المتروبوليتان.
وجاء اكتشاف مقبرة مكت رع" الشهيرة بالدير البحري أثناء تنظيف حجرة جانبية من المقبرة التي كانت قد نُهبت في العصور القديمة، عثر فجأة على غرفة صغيرة غير مكتشفة تحتوي على كنز ثمين تمثل في 24 نموذجًا خشبيًا بحالة استثنائية من الحفظ، كانت مخبأة منذ أكثر من 4000 عام، وهي تضم مشاهد متنوعة لنماذج الحياة اليومية التي صورت لضمان استمرارية الحياة بعد الموت، مثل نماذج الصيد بالقوارب، ونماذج الزراعة وحظائر تسمين الماشية، ونماذج المخابز ومصانع الجعة، بالإضافة إلى ورش النجارة والنسيج.
مواصفات تمثال حاملة الخيرات من مقبرة" مكت رع".
أما عن وصف القطعة نفسها، فهي تمثال مصنوع من الخشب والجص الملون، وقد حافظ على ألوانه الزاهية وتفاصيله الدقيقة لأكثر من 4000 عام، مما يدل على جودة الخامات وحرفية التنفيذ، تظهر السيدة في هيئة رشيقة تخطو بساقها اليسرى إلى الأمام في تقليد فني معروف لتصوير الحركة والحيوية في التمثال.
وتديحمل التمثال فوق رأسها سلة بها أربع جرار حمراء يرجح أنها للنبيذ أو الجعة، وهي مغلقة بأغطية مخروطية الشكل لمنع الانسكاب، بينما تمسك ببراعة في يدها اليمنى بطة حية من جناحيها كرمز من رموز القرابين الغذائية الهامة.
وما يميز هذا التمثال بشكل خاص هو فستانها المزخرف بنمط الريش، وهو طراز فني رفيع ارتبط بتصوير الإلهات والصفوة، مما قد يشير إلى مكانة مكت رع الرفيعة أو إلى الطبيعة المقدسة لهذه النماذج وليست مجرد تمثيلات دنيوية، كما تزينت بقلادة عريضة حول العنق وأساور وخلاخيل تعكس ثراء ودقة فن الحلي في الدولة الوسطى.
هذا التمثال هو جزء من الماكيتات الجنائزية، وهي نماذج مصغرة كان الهدف الأساسي منها هو ضمان إمداد المتوفى بالطعام والشراب والخدم في العالم الآخر.
فوفقًا لعقيدة المصري القديم، إذا تعذر تقديم القرابين الحقيقية على مائدة القرابين، فإن تمثيل هذه المشاهد سيتحول إلى حقيقة في العالم الآخر لخدمة الروح وضمان خلودها وراحتها الأبدية.
ولا تزال سجلات حفائر وينلوك الأصلية محفوظة حتى اليوم، وتوثق بالصور الفوتوغرافية القديمة عملية نقل هذه النماذج من باطن الأرض لأول مرة، مما يضفي قيمة أثرية وتوثيقية هائلة على هذا الكشف.
وتمثل هذه القطعة إذن وثيقة فريدة تجمع بين الروعة الفنية والدقة التاريخية والعمق الديني، لتظل شاهدة على عظمة الحضارة المصرية القديمة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك