إذا كانت ساعة ما قبل الإفطار تمثّل ذروة التوتر المروري، فإن الساعات التي تسبق السحور ترسم وجهًا مختلفًا للمدينة.
فبعد منتصف الليل، حين يفترض أن تخفّ الحركة في أي شهر آخر، تبدأ دورة اقتصادية جديدة في رمضان.
من النهار إلى الليل.
انتقال مركز النشاط.
يُعيد رمضان توزيع الزمن الاجتماعي والاقتصادي.
فبدل أن تتركّز ذروة الاستهلاك في ساعات المساء المبكر، تنتقل نسبة ملحوظة منه إلى ما بعد العاشرة ليلًا، وتمتد أحيانًا حتى ما قبل أذان الفجر.
وفي مدن مثل الرياض وجدة، تُمدّد المخابز ومحال الحلويات ساعات عملها خلال الشهر، وبعضها يعمل حتى الثالثة أو الرابعة فجرًا.
وفي الدوحة والكويت، تنتشر خيم وأسواق موسمية تُقام خصيصًا في رمضان، وتتحول إلى نقاط جذب ليلية.
أما في القاهرة، فتشهد أحياء مثل الحسين والسيدة زينب حركة كثيفة في ساعات ما بعد منتصف الليل، حيث تختلط حركة المتسوّقين ببائعي العصائر والكنافة، فيما تبقى المقاهي ممتلئة حتى قبيل السحور.
كما يُشكّل السحور، رغم بساطته مقارنة بالإفطار، محرّكًا مهمًا للاستهلاك الليلي.
فكثير من العائلات تفضّل شراء الخبز الطازج أو الفول أو الحلويات قبل الفجر مباشرة، بدل تحضيرها مسبقًا.
وفي المغرب، على سبيل المثال، تسجّل المخابز التقليدية ذروة بيع في الساعات الأخيرة من الليل، خصوصًا للخبز المحلي والحلويات المرتبطة بالشهر.
وفي تونس، تنشط محلات" البريك" والمعجّنات حتى قبيل الفجر.
ويدفع هذا التحوّل أصحاب المتاجر إلى إعادة تنظيم جداول العمل، وتوزيع الموظفين بين فترتين: نهارية خفيفة، وليلية مزدحمة.
وخلال السنوات الأخيرة، ظهرت في عدد من العواصم العربية ما يُعرف بالأسواق الرمضانية الليلية.
في دبي مثلًا، تنشط أسواق مؤقتة تجمع بين الطعام والمنتجات اليدوية والأنشطة الترفيهية.
وفي جدة، تتحوّل بعض المناطق التاريخية إلى فضاءات مفتوحة للمتسوّقين والسائحين ليلًا.
ولا تلبّي هذه الأسواق حاجات السحور فقط، بل تُوظّف الطابع الرمضاني نفسه كعنصر جذب: الزينة، الفوانيس، والموسيقى التراثية.
ولا يقتصر الاقتصاد الليلي في رمضان على الغذاء فقط.
فتسجّل شركات توصيل الطعام ذروة طلبات بعد الإفطار، ثم موجة ثانية قبيل السحور.
كما ترتفع مبيعات المشروبات الرمضانية والعصائر في الساعات المتأخرة.
كما تتأثر خدمات النقل في بعض المدن، حيث ترتفع نسبة استخدام تطبيقات النقل قبيل الفجر، سواء للذهاب إلى المطاعم أو العودة من زيارات عائلية.
ورغم أنّ هذا النشاط الليلي يظل موسميًا، فإنه يعكس قدرة الشهر على إعادة تشكيل دورة الحياة اليومية.
فرمضان لا يضيف ساعات إلى اليوم، لكنّه يُعيد توزيعها.
وتتحوّل المدينة إلى كائن يعمل بنظام مزدوج: نهار صائم بإيقاع أبطأ، وليل نشِط تتكثّف فيه الحركة التجارية والاجتماعية.
وفي اللحظات التي تسبق أذان الفجر، حين تتداخل أصوات الباعة مع نداء المسحراتي في بعض الأحياء، يبدو أنّ الليل في رمضان ليس مجرد امتداد للنهار، بل مساحة زمنية مستقلة بذاتها، لها قوانينها وحركتها الخاصة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك