هالني وصدمني، كما صدم كل البنى آدمين، فيديو تعدي رجل أعمال على فرد أمن بأحد التجمعات السكنية التي تضم علية القوم.
التعدي كان شاملاً، ضرب وشتيمة وإهانة وصفعات على القفا وشلاليت في أماكن حساسة، وفرد الأمن كان يتلقى كل هذا وهو مكسور لا يستطيع أن يدافع عن نفسه، برد الشتيمة أو حتى الجري من أمام هذا الرجل المفترى عديم الإنسانية، وعندما تدخل أحد الجيران ليوقف هذه المهزلة، ناله من السباب ما يخجل أي إنسان محترم من سماعه، وطبعاً لم يجرؤ هذا المفترى على التطاول باليد على جاره لأنه كان يعلم أنه مهندس ويستطيع استرداد حقه فاكتفى بأن يسبه بألفاظ نابية، يعاقب عليها الله والقانون.
نسيت أن أذكر أن هذا المفترى اعتدى على فرد الأمن وهو يقرأ القرآن في أول أيام رمضان، ولم يردعه لا دين ولا قانون، وتصوّر أن فلوسه ستحميه، وستجعله يسير فوق رؤوس العباد.
أكثر من 35 مقطع فيديو وثقت الحادث المأساوي، من كافة الزوايا، من كاميرات مراقبة الكومباوند ومن موبايلات السكان، والحمد لله أن جميعها لم تُظهر وجه المفترى عليه، وأظهرت المفترى بكل تفاصيله وحركاته وألفاظه النابية، والحمد لله أنها لم تُظهر وجه المجني عليه حتى لا يتعرّض وأسرته لإهدار آخر للكرامة.
إلى هذا الحد كانت الصورة قاتمة وسوداء، لكن التحرك السريع والفوري - كالعادة - من أجهزة الشرطة أعاد الضوء إلى الصورة، وبمجرد أن تلقى قسم شرطة التجمع الخامس بلاغين من المجني عليهما، فرد الأمن المضروب والمهان والمهندس «المشتوم»، تم إلقاء القبض على المفترى الذي يحتمى وراء فلوسه، وتم عرضه على النيابة التي حبسته تمهيداً لإحالته للمحاكمة.
ولكن كالمعتاد، بدأ سيناريو أصحاب الفلوس في التحرك، بعد القبض على المفتري، قام المحامي بعرض فدية نصف مليون جنيه لفرد الأمن مقابل التنازل عن كرامته أقصد المحضر، ولكن الضحية رفض - حتى الآن - وخرج المحامي بتصريح يقول فيه إن المفترى عليه طلب 3 ملايين وأن السبب السوشيال ميديا، وفي نفس التوقيت بدأت أسرة المفتري تروّج قصة وهمية بأن فرد الأمن كان «بيعاكس» زوجة المفتري وأنه كان يرفض قيامه «بركن» سيارته أمام فيلته!
واستكمالاً للسيناريو، سيرضخ المفترى عليه لضغط المحامي وإغراء المال، وسيتنازل عن «كرامته» لأنه «غلبان» ولن يستطيع مواجهة جبروت المفترى، كما حدث في وقائع أخرى مماثلة، فمن أمن العقاب استمر في الظلم، وهذا ما يجعل هذه الحوادث المؤسفة تتكرر بصور مختلفة وأماكن وأشخاص مختلفين، ويبقى سيناريو النهاية واحداً، وهو إفلات المفترى من العقاب بعد الصلح الذي لا أراه خيراً في مثل هذه الحالات التي تنخر في جسد المجتمع وتجعل للكرامة سعراً!
وظني أنه حفاظاً على كرامة المجني عليه، وعقاباً للمفترى وعدم إفلاته من العقاب، ووقفاً لتكرار سيناريو إهدار الكرامة والإبقاء على «حق المجتمع»، لا بد من تعديل قانون العقوبات أو الإجراءات الجنائية أو أي قانون يتصدى لمثل هذه الحالات، وأن يتضمن تغليظ عقوبة الغرامة لتصل إلى الحد الذي يدفعه عادة المفترى، على أن تؤول الغرامة في هذه الحالة إلى المجني عليه مباشرة، بحيث لا يضطر الضحية إلى رفع قضية تعويض بعد الحكم لأنه في كل الحوادث المماثلة يكون المجني عليه «غلبان» وليس لديه ما يمكنه من دفع مصاريف المحاماة والتقاضي، وهذا ما يدفعه منذ البداية بقبول بيع كرامته.
ولا بد أن تصدر قرارات تنفيذية عقابية من المجلس الأعلى للإعلام والهيئتين الوطنيتين للصحافة والإعلام ونقابتَي الصحافة والإعلام، للحفاظ على كرامة الضحايا في مثل هذه الحالات وعدم كتابة أسمائهم وحظر نشر صورهم، حتى بعد صدور أحكام بشأنهم، لأن مثل هذه الحوادث تؤثر بالسلب على حياتهم الشخصية والعائلية.
لا تجعلوا الصلح مدفوع الثمن يعرقل العدالة الرادعة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك