تُعدّ سارة الجويني حافيز من الأصوات الأكاديمية التونسية البارزة في حقل الدراسات الدينية والتصوف والفكر الصوفي المقارن.
فهي أستاذة محاضرة في المعهد العالي لأصول الدين، ورئيسة قسم أصول الدين في جامعة الزيتونة في تونس.
نشرت بحوثاً ودراسات في مجلات ومواقع متخصصة، ولها كتب من أبرزها «صورة المسيح في التراث الصوفي الإسلامي» (دار الطليعة، 2010) وهو في الأصل أطروحة دكتوراه، و«الهوية الغيبية في الفكر الصوفي الإسلامي» (2010)، و«الكونية في التجربة الصوفية من خلال نماذج» (2014)، و«دور البعدين الأخلاقي والصوفي للدين في إشاعة السلم بين البشر» (2015).
في هذا الحوار، تتحدث عن جذور اهتمامها بالفلسفة والتصوف، وعن مصادرها الأولى في قراءة التراث الصوفي، ورؤيتها لمسألة الهوية والسلم، وحدود الحديث عن التصوف بوصفه بديلاً في مواجهة التطرف، كما تتوقف عند ابن عربي واللغة والتأويل والمعرفة، وتختتم بمفهوم مجاهدة النفس وصلته بزمننا الراهن.
من أين بدأت الرحلة إلى الفكر والتصوف؟*كيف جئتِ إلى عوالم الفكر والفلسفة عامة، وعالم التصوف خاصة؟ من أين دخلتِ هذا العالم؟ أحببتُ منذ البدايات ريشة الفنان وجنية الشعراء ومهج المؤلفين.
التهمت القصص مبكراً، وكانت الأسئلة تسكن رأسي دهشةٌ تمتزج بالبراءة والفضول.
كنت وحيدة أمي وآخر عنقود أبي، وهذا منحني شحنة عاطفية عالية اغترفت منها بقية حياتي.
ومن ذاكرة الطفولة أتذكر المدينة العتيقة في تونس أزقتها المكتظة ألواناً وروائح ووجوهاً.
وارتأت والدتي أن «تحصّني» بزيارة مقام الولية عائشة المنوبية؛ حيث كنت أهتزّ فرحاً بمشاهدة الأضاحي والإنشاد وأجساد النساء وهي تتمايل على نغمات الحضرة.
وفي مرحلة الدراسات العليا عرفتُ أن عائشة المنوبية ـ كأغلب العارفات ـ قالت بالأهلية العلمية والعرفانية في المشيخة، وأن حضورها في مجتمع رجالي لم يكن مجرد منافسة جندرية، أو رغبة في الارتفاع إلى مقام الرجال، بل كان ولعاً بالعوالم الجوانية، وتحسّساً لطرق الوصل بالقوة العلية، وتخفيفاً لستار الحجب، وتأميناً لوسائط الكشف خارج الفوارق التصورية التي تُحشر فيها المرأة عبر جسدها.
في الثانوية كنت محبة للأدب والفلسفة، وكان أستاذ الفلسفة يلقّب بـ»سبينوزا» لشدة ولعه به وحماسه أثناء شرح أفكاره.
ثم التحقتُ بالجامعة الزيتونية، ولم أكن أعلم أنني سأجد متعة خاصة في دراسة المواد الدينية بنصوصها وفلسفاتها وتاريخها.
سجلت في شعبة الأديان، وطرح أستاذي في مرحلة الدراسات المعمقة عنواناً حول «القربان والتقرب»، فوجدت نفسي في مياهي أجيب عن أسئلة شغلتني حول طبيعة القربان وأهدافه وتاريخه في الأديان.
هذا النوع من البحوث يحتاج إلى تفكيك المفردة الأنثروبولوجية، وتعقّب أفكار للقدس، والوقوف على تفسير النصوص وتأويلها، ورصد التجارب والمراحل المتدين، ومحاورته التي مرّ بها الإنسان في إثبات معتقداته، مع قراءة فلسفية لما يفيض عن العقول في الإلهيات والطبيعيات وغيرها.
جاء الاهتمام بالأديان المقارنة مطعّماً بالتصوف في مرحلة الدكتوراه؛ حيث وقفت على المدونة الصوفية، وصرت أتتبع شخصية بعد شخصية في عوالم الروحانيات.
واعتبرتُ أن هذه الروحانيات ليست أفضل ولا أقل من العقل الخالص؛ لأنها تحمل منطقها الداخلي، متى سلّمنا بأن المقاربات الوجودية لا تمنح «الحقيقة المطلقة» بقدر ما تعبّر عن مخارج للنفس المتأملة في هذه العوالم.
ولعل التصوف، أو العرفان، يحفر جيداً بمقاماته وأحواله وقدرته على تسلق سلّم المعرفة اللدنية.
قرعت هذا الباب ولم أخرج منه، بل صارت المواد على اختلافها تمدني بتفاصيل إضافية أسند بها الفكرة ووجهة النظر.
تركت عيناً ناظرة إلى الفلسفات الحديثة، أرصد كل جديد وأحاول إعادة ترتيبه ضمن ما عرفت.
والمتصوفة علّموني قبول الاختلاف؛ فقد رددوا طويلاً ما يفيد انفتاح قلوبهم واعتبارهم التاريخ الديني اعتبارياً، وأن الطرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق.
لذا يظل اهتمامي بالأفكار ومحتواها وإضافتها، لا بإطلاق الأحكام عليها.
وانخرطتُ كذلك في الجمعية التونسية للدراسات الصوفية برئاسة توفيق بن عامر، ولا نزال نساهم في تأثيث الندوات ونشر أعمالها في كتب جماعية.
*ما هي أول المصادر التي عرّفتك بالعالم الصوفي والمتصوفة؟ وما هو شعورك عند قراءتك لأعلام مثل ابن عربي؟ لا أذكر أول العناوين بدقة؛ فقد بدأت بقراءة المقالات والمراجع، وحفظت بعض القصائد الصوفية.
لكنني توقفت مطولاً عند «الفتوحات المكية» لابن عربي، لأنه من المصادر الأساسية في رسالتي، ولأنه هذا الكتاب يعد من «الإلقاء اللدني».
شغلتني اللغة الصوفية المكتنزة بالمعاني؛ وشعرت بأن للعبارة حيوات أخرى تتسع بين الظاهر والباطن، وبين درجات التلقي والاتصال داخل إبستيمولوجيا مخصوصة.
وفي هذا الإرث التاريخي تتبدى مركزية الذات وقدرتها على تحفيز طاقتها الإبداعية.
ثم انسابت إليّ مؤلفات أخرى، من بينها أعمال محمد بن عبد الجبار النفّري (ت 354هـ/965م)، صاحب «المواقف والمخاطبات» وعبارته الشهيرة «أوقفني وقال لي» تثير فضولي، لأن الواقف يستشعر ما يعتق به من رقّ الكائنات؛ كأنه منهمك في ذاته ومراقيها، غير مكترث بكسريات الخارج.
وفي ذلك سعادة لا يدركها إلا الواصل الذي لا ينتظر شيئاً من أحد.
ولعل من أهم ما تعلّمته هناك خفض سقف الانتظارات حتى تقل الخيبات.
ففي «موقف العز» يقول النفّري ما يفيد، بأن العز إذا نطق صمتت الأوصاف كلها؛ وهنا يغدو الغنى الدلالي باعثاً على مزيد من النبش في أسرار الكون، وعلى التقاط وسائط النفاذ من سجن النفس إلى مراقي الكمال.
فكثيراً ما تصحب التعبيرة الصوفية استعجال السفر إلى الله، واستجماع القوى الكامنة في طالبي الحق لإدراكه.
*إلى أي حد تستطيع الصوفية الحفاظ على هوية الإنسان في مستواها البيولوجي والثقافي؟ سبق أن اشتغلتُ على «الهوية الصوفية»، وأرى أن التصوف يعيد تعريف الإنسان في أبعاده الظاهرة والمحتملة.
وفي تقاطيع التصوف تظهر فكرة «الحقيقة الواقعية الواحدة» المغذية لمعاني السلم.
ففي أفق «وحدة الوجود» تتراجع نزعات التصنيف وادعاء الأفضلية.
وتستحضرني هنا قراءات فلسفية مثل ويليام جيمس حين يتحدث عن الواحدية، بوصفها تصوّراً يربط الانفصالات الظاهرية باتحاد أعمق، اتحادٍ أشد واقعية من مظاهر الانفصال على سطح الأشياء.
وفي رؤية ابن عربي، الحقيقة واحدة في جوهرها، متكثرة بأسمائها وصفاتها.
وهذه النظرة تربط بين الإله والمألوه بوصف العلاقة نسباً وإضافة لا يُعرف الحق إلا بمعرفة الخلق، وتتعقل النفس في مرآة الأسماء والصفات.
وفي ذلك رفعة لمرتبة الإنسان؛ إذ يصير ممثلاً لمعنى الوجود، كما في «فصوص الحكم»،
وتتجلى الإنسانية هنا في صورتها الأكمل الإنسان ليس كائناً بيولوجياً فحسب، بل كيان روحي – أخلاقي تتأكد فيه قيم السلم؛ سلمٌ بين الذات والذات، وسِلمٌ بين الذات وربها.
ومن هنا يتكرر مفهوم «الإنسان الكامل»، كما لدى عبد الكريم الجيلي، بوصفه مقاماً يواجه صور الخواء أو العدميّة، ويمنح الذات مسار تحررها.
صحيح أن بعض المصطلحات الصوفية مغلقة لتعلقها بالتجارب الذوقية الخالصة، لكنها في المحصلة، تعلي شأن الإنسان؛ لأنه على صورة ربه في المعنى الروحي، أو هو «المجلى» الذي تتجلى فيه الأسماء.
هل التصوف بديل في مواجهة التطرف؟*يقترح بعض الكتّاب إحياء التصوف لتعزيز التسامح والروحانية في مواجهة التطرف.
ما رأيك؟ وهل ترين التصوف بديلاً حقيقياً لما هو سائد باسم الدين؟ـ يُطرح هذا السؤال كثيراً ما البدائل؟ ضمن خريطة أفكار متجاذبة بين نزعات تاريخية لا ترى في الدين إلا الظاهرة الاجتماعية، ونزعات اعتقادية تُغرق النص في حرفية قد تتحول ـ بفعل الجيوسياسي ـ إلى جماعات عنف وإرهاب.
لكنني أرى أن التصوف لا يُقدَّم بوصفه إلغاءً لغيره، بل يحوز مكانه ويؤثر من داخله ويشبع طالبي الحق.
والأفكار، في نظري، لا تموت حتى إن غمرناها.
والتقدم في سلّم المعرفة الدينية لا يأتي بقرار فوقي، بل بتراكم التجارب داخل النسق الديني نفسه عبر التاريخ والثقافة والسياسة.
صحيح أننا نلاحظ عودة للروحانيات في العالم، حتى لو غادر التصوف «المقام والزاوية» بصيغته التقليدية؛ فهو اليوم يتشكل أيضاً في فضاءات أكاديمية وجمعياتية، وربما بوصفه جواباً عن اختفاء المعنى، أو عن بحثٍ لا يشبع.
وأرى أن ما في المقامات والأحوال من قدرة على المحبة والتسامح له وجاهته في مواجهة الحدة.
لكن في الوقت نفسه يجب الانتباه إلى أن الاتجاهات الدينية كلها تخضع لتحولات الزمان والجغرافيا؛ فالسلفية مثلاً شهدت انزياحات وصارت تُقسَّم إلى علمية وجهادية، والتيارات السياسية كثيراً ما تضع يدها على المؤسسة الدينية، ولم تسلم الطرق الصوفية نفسها عبر التاريخ من التأثيرات والشدّ والجذب.
*ما الذي يضيفه ابن عربي لزمننا؟ وما الذي يحتاج إلى بحث وتأويل؟ وكيف يمكن البحث في العلاقة بين اللغة والتأويل والمعرفة؟ـ التصوف، من حيث نسقه اللغوي، يختلف عن غيره؛ لأنه يصوغ مصطلحاته ومفاهيمه على تصور روحاني للعالم، تكون اللغة فيه رمزاً ومفتاحاً للكون.
المتصوفة لا يقفون عند «الإمكان» بوصفه حدّاً، بل يتوسلون إليه بالفعل والإنجاز والتجربة.
وعند ابن عربي يتجلى هذا في التأويل فهو يقرأ النص في أفق الظاهر والباطن، مستدعياً البلاغة والمعجم الصوفي الذوقي مثل «البرزخ المحمدي» والفناء والقطع والوصل.
هنا تتكون جدلية ثلاثية تجربة ذاتية روحية، ونصٌّ بوصفه حروفاً وصوراً، وأثرٌ للنص باعتباره مرتبطاً بالوجود كله.
إضافة ابن عربي الكبرى في نظري هي طريقته في تلقي النص واستكناه أسرار الوجود، وفي بناء لغة قادرة على حمل المفارق، دون أن تفقد تماسها بالتأويل والمعنى.
*ما حاجتنا إلى جهاد النفس في زمننا الراهن؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك