حينما كنت أعد كتابي عن الموسيقار الراحل محمد فوزي معتمداً على وثائقه وأوراقه الخاصة، وقعت يدي على هذه المقالة الطريفة التي حكى فيها عن تلك العلقة التي أكلها قبل سحور أحد أيام رمضان بسبب حبه للفن حيث قال:
كان نشاطي الفني طيلة أيام المدرسة محصوراً في حدود طنطا، فإذا ما أقبلت إجازة الصيف بدأنا جولة فنية واسعة، ووصلنا في إحدى جولاتنا لمدينة شبين الكوم، وحل علينا شهر رمضان المبارك ونحن فيها، فكنا نحيي الليالي في السرادقات، وسمعنا أن مولداً لأحد أولياء الله الصالحين قد بدأ في قرية غير بعيدة عن شبين الكوم، فقررنا أن نذهب إليه، ففي الموالد دائماً رزق كثير وجمهور غفير.
والرزق لازم لعيشتنا والجمهور لازم لفننا، ومن ثم ذهبنا، وسمع بعض الفتوات «المعسكرين» في المولد بأن مطرباً «أفندياً» قد وصل، فجاءني أحدهم يعرض عليّ أن أغني لهم أول ليلة نظير مقابل بسيط، على أن يعوضوني عنه بحمايتي طيلة أيام الإقامة في المولد، ثم أفهمني من طرف خفي أن الرفض معناه الرحيل، فقبلت على الفور، وضربت له موعداً في التاسعة مساء بعد أن أتناول طعام الإفطار وأستريح.
بدأت أغني، وامتلأ السرادق بمن دعاهم فتوات المولد، وشاع الانسجام والطرب، وزاد الحماس منا، ولم ألق بالاً بضابط بوليس أتى ومعه خفراء كثيرون ونظر لي طويلاً، ثم انصرف، وبعد دقائق وفي فترة من فترات الاستراحة أقبل عليّ أحد الخفراء وهمس في أذني قائلاً: البيه الضابط عاوزك، ونظرت لزعيم الفتوات وأسأله رأيه فقال: «لأ، عليّ الطلاق ما انت متنقل من هنا» ونقلت العبارة بحذافيرها للخفير: «عليّ الطلاق ما أنا متنقل من هنا»، فارتعش شارب الخفير غضباً، ثم نظر شزراً إلى الفتوة، وانصرف، وغنيت إحدى الأغنيات، ولم أكن قد انتهيت منها حينما أقبل الخفير ومعه زميلان، والتف الثلاثة حولي ليذهبوا بي عنوة إلى الضابط، وسمعت زعيم الفتوات يقول: «ليه هو أنا جردل؟ ! ».
وجذبني من رقبتي إلى الخلف، فوقع أحد الخفراء على الأرض، ورفع خفير آخر بندقيته ليضرب الزعيم بها، فاختطفها منه فتوة آخر، وفي ذات الوقت كان الخفير الثالث يتلقى الصفعات والركلات من سائر الفتوات، ودارت معركة حامية خرج منها الخفراء يجرون أذيال الهزيمة.
وعز على ضابط نقطة القرية أن يهان مندوبوه الذين يمثلون شخصه الكريم، فجمع كل الخفراء وأمرهم بتشطيب المولد في دقائق، وأن يأمروا الأهالي بأن يعودوا إلى البيوت، والذي يعصي الأمر فإلى نقطة البوليس.
وخرجت من السرادق وورائي زملائي، وعند بابه وجدت عدداً كبيراً من راقصات المولد ولاعبي الحظ والقرداتية الذين يعملون في المولد وقد تربصوا بي، وانهالوا عليّ ضرباً ولكماً وركلاً.
لاذت فرقتي بالفرار وتلمست طريق الهروب بعد أن أصبت في المعركة إصابات عديدة.
أما سبب ما حدث أنهم عرفوا تفاصيل المعركة التي دارت بين الخفراء والفتوات من أجلي، ولهذا أمر الضابط بتشطيب المولد، فكانت النتيجة أنهم لم يكسبوا شيئاً، فلزم الانتقام! وكانت الدماء تسيل من وجهي وجسدي وأنا أبحث عن زملائي، وقابلت أحد الخفراء في الظلام فسألته إن كان يعرف أين ذهبوا، فأشعل عود ثقاب ونظر في وجهي، ونظرت إليه فصعقت، فقد كان الخفير مندوب الضابط!
وأمسك بتلابيبي، ولم يرحم آلامي، ودفعني إلى نقطة البوليس حيث كان الضابط يجلس وقد وضع قدميه على المنضدة أمامه، وكان الحذاء في وجه فرقتي الموسيقية التي قبض على أفرادها واحداً واحداً، واقتيدوا إلى القسم، واعتقدت أنني سأكل علقة ثانية، وأننا لن نجد عناء في البحث عن بيت ننام فيه، فقد وجدنا «السجن»، وذهلت حين سمعت الضابط يقول لي: أنا طلبتك عشان أقول لك إن مش مقامك تغني لجماعة فتوات لهم سوابق ولكنك رفضت، طبعاً أنت حر، بس آديك شايف النتيجة.
قال عبارته الأخيرة ونظر إلى وجهي وفي عينيه إشفاق، وتحسست وجهي وتذكرت دمي وآلامي، فحنيت رأسي ولم أقل شيئاً.
وتحرك الضابط، وأنزل قدميه وقال لي: أنتم الليلة ضيوف عندي، بس ما عنديش سحور لكم، قلنا في صوت واحد: «زي بعضه».
انتهت رواية محمد فوزي عن الواقعة التي حكاها بعد ذلك في مناسبات مختلفة بأكثر من طريقة حيث ذكر أن المولد كان يخص العارف بالله سيدي إبراهيم الدسوقي بمدينة دسوق، وأن الضابط اتضح أنه يمت لفوزي بصلة قرابة، وأنه عز عليه أن «يبهدل نفسه» بالغناء في مثل هذه الموالد، خاصة أنه ما زال طالباً صغيراً.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك