من جديد، يكاد سيناريو جوان 2025، يحوم مرة أخرى في الأفق بعد تعسُّر إخضاع إيران لإملاءات الكيان.
ضغوط هذه المرة، لم يسبق لها مثيل، من حيث حجم الاستنفار العسكري لإجبار المفاوض الإيراني على تخفيض سقف شروط التخصيب وامتلاك القوة الصاروخية ومقايضة موقفها الداعم لمحور المقاومة بالاستثمارات ورفع العقوبات.
الاحتمالات بشن حرب شاملة لإسقاط النظام، كما يطالب به الكيان واشنطن مقابل قبول نتنياهو الانضمام إلى “مجلس السلام” الأمريكي بشأن غزة، حتى بإعفائه من شرط المساهمة بمليار دولار، هذه الاحتمالات يبدو أنها تتقلَّص وتتآكل يوما بعد يوم، لصالح خيار التلويح بضربات محدودة على البنية النووية والصاروخية الإيرانية كما كان الشأن في صائفة السنة الماضية.
غير أن هذا الخيار يبقى مجرد احتمال أقرب، وأن تصعيد اللهجة والاستنفار العسكري الأمريكي الضخم، لم يثن إيران على البقاء عند حدود خطوطها الحُمر، مما جعل ترامب ينفخ الساخن والبارد خلال الأسابيع الماضية ويغيِّر لهجته أكثر من مرة من دون أن يتمكن من زعزعة الموقف الإيراني.
أخيرا، يصرِّح ويتكوف أن “الرئيس تملَّكه العجب من عدم استسلام إيران”، وهو ما يشير إلى أن أسلوب التفاوض عبر التهديد والضغط العسكري، قد لا يؤتي أكله، خاصة والكل يعلم أن إيران بلد يعيش “تاريخية المظلومية التاريخية” وإيديولوجية البقاء مهما كانت التضحيات.
هذا الموقف لا نجده لدى معظم الدول والأمم التي تتعامل ببراغماتية وفقط.
الإيرانيون يتعاملون ببراغماتية مشروطة: المبدأ عندهم لا خيار فيه ولا جدال بشأنه، والسيادة والموقف العامّ راسخ لا يتزحزح، أما ما دونه من التفاصيل، فيمكن مناقشتها وحتى تقديم تنازلات هنا وهناك مقابل تنازلات من الطرف الآخر، لكن الاستسلام غير مقبول ودونه أصلال الرماح العابرة للبلدان والمسافات الطوال.
هذا الموقف، بات “ويتكوف” يعرفه ويعتقد به، وليس مستبعدا أن يقتنع ترامب بذلك، ويرى أن الربح الإعلامي الذي يعمل على ربحه في “مجلس السلام”، قد يُفشله أيُّ تهوُّر لقواته ضد إيران كما يدفع به الكيان ويحرض على ذلك، لأن مصير ذلك أن ينفضَّ كل شيء وينتهي حلم “السلام الأمريكي” فجأة فيستيقظ على حرب مدوية لا أحد يعلم مداها ولا تقييم نتائجها، إنما قد تكون وبالا على الكيان أوّلا وعلى إيران طبعا وعلى المنطقة برمتها.
هذا ما تريده الإدارة الأمريكية الحالية، على الأقل على مستوى البيت الأبيض، لكن تصديق فكرة أن إيران قد تخضع في النهاية للضغط الجدي الذي لا يقبل الجدل، والتي قد يثنيها عن المضي قُدما في تجاهل العواقب وقبول الخضوع للشروط الأمريكية من دون حرب، هو ما يجعل الأمل باقيا لدى الإدارة الأمريكية، إلى آخر لحظة في إمكانية الحصول على المطلوب من دون حرب وما قد ينجرُّ عنها من خسائر ودمار ونتائج عكسية.
في المقابل، الإدارة الأمريكية هي الأخرى تعيش ضغطا غير مسبوق من الداخل ومن الخارج، وبالذات من الكيان الذي يمارس أقصى المساومات وألعن الابتزازات في هذا الشأن، مستفيدا من الوضع الذي أحدثه الكيان في غزة والضفة وفي لبنان، وصناعة الجُرم الذي لا يُمحى بالتقادم ولا حتى بالعفو الرئاسي المُلتمَس لنتنياهو من طرف البيت البيض، ولا بالضغط على أعضاء محكمة الجنايات الدولية لترضية الوحش المدلل الخائف على مستقبل من دون منصب قيادة الكيان.
الوضع معقَّد بشكل غير مسبوق أمام تعنُّت الكيان وهو الذي يتحكم في تحركات المواقف الأمريكية التقليدية الثابتة تجاه تل أبيب، لكن حساب الربح والخسارة له في الأخير قوانينه الخاصة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك