أعاد القارئ الشيخ أحمد كاسب الفضل في إجادته لتلاوة القرآن إلى جيل فريد من القراء الذين رسَّخوا هذا المعنى في وجدان الأمة، مستحضرا أسماء مثل محمود خليل الحصري، ومحمد صديق المنشاوي، ومحمود علي البنا، وعبد الباسط عبد الصمد، ومصطفى إسماعيل.
وأوضح كاسب خلال ضيافته في برنامج" أيام الله" على الجزيرة مباشر أن سر وصولهم إلى قلوب الملايين، رغم غياب المنصات الإعلامية الحديثة حينئذ، كان الإخلاص الذي كتب الله به لهم القبول، فانتشرت أصواتهم في الآفاق دون سعي وراء شهرة أو ثناء.
وشدد على أن حُسن الصوت لا ينبغي أن يكون غاية لجذب الانتباه بل وسيلة لخدمة المعنى، موضحا كيف يمنح الوقف والابتداء أبعادا دلالية أعمق، كما في مواضع من سورتي الكهف ويونس، إذ يَبرز المعنى بقوة حين يحسن القارئ توظيف الأداء لخدمة المقصد القرآني لا العكس.
وفي معرض حديثه عن الفرق بين التطريب الذي يلهي والخشوع الذي يبني، أكد الشيخ أحمد كاسب أن ما خرج من القلب يصل إلى القلب، محذرا من أن يكون هم القارئ ثناء الناس، فذلك لا يدوم، مستشهدا بحديث النبي ﷺ عن أول مَن تُسعَّر بهم النار، ومنهم قارئ قرأ ليقال قارئ.
وعن التحدي الذي تفرضه الشهرة في زمن المنصات، بدا الشيخ متواضعا وهو يقول إنه لا يدّعي امتلاك الإخلاص، بل يسأل الله القبول، مستشهدا بقوله تعالى {إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا} (مريم: 96)، مؤكدا أن العبرة ليست برفع الناس بل بالرفعة عند الله.
وعند العودة إلى البدايات، كشف الشيخ أحمد كاسب عن فصل مؤثر من حياته؛ إذ فقد بصره صغيرا، فسعى والده بين المستشفيات بحثا عن علاج، ثم اتجه به إلى طريق العلم وحفظ القرآن.
وأكد أن الفضل بعد الله يعود إلى والده الذي لم يَقسُ عليه حين كان يتكاسل عن الحفظ، بل احتواه ووجَّهه برفق.
تعلَّم بطريقة" برايل"، وحفظ أجزاءه الأولى وسط تحديات الدراسة، إلى أن ألزمه والده بحفظ سورة كاملة في ليلة واحدة، فكانت نقطة تحوُّل أيقن بعدها أن لا سبيل له إلا القرآن.
التحق بـ" دار البيان" في الإسكندرية، فحفظ على يد الشيخ طاهر الأسيوطي 19 جزءا، ثم أكمل حفظه على الشيخ عادل قنديل الذي ألزمه بختمة كاملة متقنة، قرأها بصوت المنشاوي الذي كان -ولا يزال- الأقرب إلى قلبه.
بدأ إمامة الناس عام 2003 وهو في الـ17، وظل سنوات يقلد كبار القراء، إلى أن التقى الشيخ محمد سمير الذي نقله من مرحلة" الكاسيت المقلّد" إلى قارئ يفهم الآية قبل أن يؤديها، ويجعل همه فتح قلوب الناس بالقرآن بعد أن يفتح قلبه هو أولا.
وفي سؤال يتكرر كل رمضان، أكد كاسب أنه لا تعارض بين كثرة الختمات والتدبر، مستشهدا بقول ابن مسعود" قفوا عند عجائبه وحركوا به القلوب"، موضحا أن المعيار ليس عدد الصفحات بل أثر الآية في النفس، وأن الاستمرارية هي جوهر العلاقة بالقرآن، مستحضرا حديث" اقرأ وارتقِ ورتّلْ كما كنتَ ترتّلُ في الدنيا".
أقر الشيخ بأن الحفظ أسهل من المراجعة، واصفا الحفظ بملء الوعاء، أما صيانته فمهمة دائمة، ناقلا مقولة شيخه عادل قنديل" صاحبُ الخمسةِ لا ينسى"، في إشارة إلى من يقرأ 5 أجزاء يوميا حفاظا على رسوخ الحفظ.
وحذر من التحول إلى عبادة موسمية، مؤكدا أن رمضان شهر شحن إيماني، لكن المطلوب هو الحفاظ على هذا الشحن طوال العام، حتى لا نحتفي بالشهر وننسى رب الشهر، داعيا إلى الاستعداد لرمضان قبل قدومه بأشهر حتى تدوم البركة بعد رحيله.
وشدد على ضرورة التلقي عن شيخ، فالقيمة ليست في ضبط الأحكام فحسب، بل في التربية والسلوك والقدوة.
كما أبدى موقفه من المقامات، واصفا الأداء الفطري بأنه مقبول، لكنه حذر من تحويل التلاوة إلى دراسة موسيقية تطوّع الأحكام لخدمة النغمة بدل تطويع الصوت لخدمة المعنى.
وأكد أن القرآن لا يتعارض مع التحصيل العلمي بل يعززه، مشيرا إلى أن كثيرا من طلابه المتفوقين كانوا من أهل القرآن، وأن بركة الكتاب تنعكس على مجالات الحياة كافة.
واختُتمت الحلقة بتلاوة مؤثرة من أواخر سورة التوبة، صدحت بها حنجرة الشيخ أحمد كاسب، في مشهد أعاد التأكيد أن الرحلة مع القرآن ليست مسارا صوتيا فحسب بل مسار عمر كامل، يبدأ بحرف يُحفظ، وينتهي بقلب يرتقي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك