في معجم مقاييس اللغة تدل مادة (عقل) على حُبسة في الشيء أو ما يقارب الحُبسة، يقول الشاعر: «كأن في فيهِ لُقمةً عَقَلَت لِسانه».
إن ما تمارسه منصات التواصل الاجتماعي الكبرى اليوم أبلَغُ تعقيدًا وأشَدُّ تأزيما وأغلَبُ تأثيرًا، فهي لا تُكمم الأفواه فحسب، بل تنسج الخيوط بما يُعرف «بالحظر الخفي».
وهو في جوهره سلاح للرقابة يستبد بالكلمة إلى أن يعزلَها «فكم بُلِيَّ المُفوّهُ بالكمامِ».
في هذا السياق وُلدت «أبسكرولد»؛ منصة تواصل اجتماعي أسسها المطور الفلسطيني الأسترالي عصام حجازي في 2025، ومدعومة من حاضنة (تِك فور فلسطين).
وليس المثير هنا ما تدعيه المنصة، بل ما لا يُقضى عَجبُه ما يكشفه وجودها عن تناقضاتٍ لا محدودة، في حقيقة الحرية وعلاقاتنا مع السلطة.
إذا نظرنا من خلال عدسة الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو للخطاب، فالسلطة الحديثة لا تحتاج إلى المنع المباشر كي تنتصر؛ بل يكفيها أن تُعيد إدارة ما يُرى وما لا يُرى.
وهكذا تُقيد الخوارزميات: لا تمنع، بل تُدير؛ لا تحظر، بل تُهمّش.
فأصبحت هي الخصم والحكم، فلا رقيب يحاسبها بعد أن اختبأت واتخذت البرمجة والبيانات سترًا لها تحت هيمنة المصالح التجارية.
تطرح منصة أبسكرولد ثلاثة وعود في خطابها العام، حيث تُقدِّم مساحة يملكها المجتمع لا المستثمرون، وهذا وعدٌ جذّاب بلا حظر صامت، وشفافية في تقديم المحتوى، ومعايير إشراف معلنة لا تتبدّل وفق مزاج المعلنين، وهو ما يلمّح إلى تقليص سلطة رأس المال على المجال العام الرقمي.
منذ بداياتها، استقطبت المنصة عشرات الآلاف من المستخدمين الذين شعروا بأن المنصات الكبرى تضيق بأصواتهم، وهنا ما يُعيد سؤال الهجرة الرقمية: هل نغادر خوارزمية إلى خوارزمية أخرى، أم نغيّر قواعد اللعبة من الأساس؟ هنا تتجلى حرب الخوارزميات، فالأمر لا يتعلق بهجرة رقمية أخرى فحسب، بل بإعادة ترتيب نظام جديد يحدد حقيقة ما نُريد أن نَراه فعلا، فهل تنتصر القيمة المعرفية أم يتقدّم المحتوى الصاخب؟تعلن المنصة رفضها للرقابة، لكنها في الوقت ذاته تقّيد خطاب الكراهية والعنف والمحتوى الدعائي.
هنا لا يبدو الأمر تناقضًا في النيات بقدر ما هو تناقض في البنية ذاتها.
فبمجرد أن تحدد أي منصة ما تُريد نشره وما تُريد حجبُه، فإنها تمارس سلطة تنظيمية، وهنا يكمن السؤال: من يمتلك هذه السلطة؟ وبأي معايير تُقاس؟ حيث يبرز سؤال البوصلة الأخلاقية (الذي لا يمكن الحياد عنه) وفق أي معايير تفرض تلك القيود؟ ومن يضمن ألا تنقلب إجراءات الحماية تلك إلى أدوات حظر صامت.
جون ستيوارت ميل، قدّم قاعدة عامة تقول إن حرية الفرد تنتهي عند حدود الضرر الذي يلحقه بالآخرين.
غير أن الإشكال هنا لا يكمن في القاعدة ذاتها، بل في تعريفها؛ فمن الذي يملك سلطة تحديد ما هو الضرر، وما الذي يظل في نطاق التعبير المشروع؟ في زمن الحروب، لا يتفق الطرفان أبداً على الإجابة.
الصورة نفسها قد يسمّيها أحدهم خطابا معاديا ويسمّيها الآخر «دليلاً على الحقيقة».
وحين تقول منصة ما إنها ستمنع خطاب الكراهية، فالسؤال الحقيقي، الذي يجب أن نطرحه هو: من الذي سيقرر ما هو ذاك الخطاب؟ لأن من يملك حق التعريف، يملك في النهاية حق التحكم في ما يُقال وما يُمنع.
ثم إن المنصة نشأت كرد فعلٍ على تهميش محتوى مؤيد لفلسطين (وهذا بحد ذاته أمر جيد من ناحية الخطاب المضاد)؛ لكن هذا يُذكرنا أيضا بأن لا منصة بلا أيديولوجيا، ولا خوارزمية بلا رؤية.
بقول آخر: لا توجد منصة لا أيديولوجية.
كل قرار تتخذه منصة بحذف منشور أو إبقائه هو في جوهره موقف سياسي، سواء اعترفت بذلك أم لا.
المشكلة ليست في وجود هذا الموقف، فهذا أمر لا مفر منه.
المشكلة تكمن في أن المنصات تواري هذا الموقف خلف كلمات ضبابية مثل مخالف لمعايير المجتمع أو محتوى مُضلِّل، تُقيدك دون أن تشرح لك بالضبط لماذا هذا المنشور بالذات يندرج تحت هذه المسميات!
معظم الناس لا يُفرّقون بين نوعين مختلفين تماماً من الرقابة.
الأول حين تحذف المنصة منشوراً، لأن معلناً كبيراً أراد ذلك، أو تحت وطأة سلطةٍ ما.
هذه رقابة يحركها المال والمصلحة، فلا قانون يُلزم بها ولا محكمة تُراجعها.
والثاني حين تحذف المنصة منشوراً، لأن القانون يُلزمها بذلك أو أمرًا قضائيًا فُرض عليها.
هذا النوع على الأقل له قواعد معلنة، ويحق لك الاعتراض عليه أمام القضاء.
أما منصة «أبسكرولد» فهي ترفض النوع الأول بوضوح، وهذا موقف جيد.
لكنها لا تستطيع رفض النوع الثاني، لأنها مطالبة بالقانون واحكام القضاء، لكن حتى هذا لا يكفي.
فالشفافية في الخوارزمية وحدها لا تحل المشكلة فجوهر الإصلاح لا يكمن في الشفافية فقط، بل بالإجراءات العادلة لتطبيقه، حيث ينبغي للناشر أن يتلقى تفسيرًا محددًا لأسباب حذف رأيه، وأن يجد مسارًا واضحًا للطعن في القرار، إذا اعتبره مجحفًا، فلا تقاس حرية التعبير بمجرد القدرة على النشر، بل بوجود قواعد واضحة ومفهومة تحدد ما يُنشر وما يُحذف، ويحق للناشر معرفة تفسير لكل قرار يُتخذ ضده، ومعرفةَ مسارٍ عادلٍ يلجأ إليه إن شعر بالظلم.
تُعيد «أبسكرولد» طرح مفهوم «السيادة الرقمية» إلى الواجهة.
فحرية التعبير تفقد مضمونها حين تكون الساحة العامة مملوكة لعدد محدود من الشركات، وتبقى الخوارزميات أسرارًا تجارية خارج نطاق المساءلة.
ومع انتقال المجال العام من الميدان المفتوح إلى الخوادم الخاصة، يتحول سؤال الملكية هنا إلى سؤال عن الحرية ذاتها، فمن يملك البنية التحتية، هو نفسه من يملك تحديد حدود الخطاب، حتى من دون رقابة معلنة.
ومع أن المنصة تعترف بأنها تعتمد على بنى سحابية لشركات كبرى، فإن هذا الاعتراف يضع الإصبع على الجرح: التحرر ليس شعاراً، بل بناءٌ طويل يصطدم بالاقتصاد والبنية التحتية.
في النهاية تذكّرنا منصة أبسكرولد أن بناء منصة رقمية جديدة ليس مجردَ إنجاز تقني، بل هو فعل سياسي وفلسفي يؤكد أن الفضاء الرقمي غير محايد، لكنها لا تقدم حلولًا جاهزة لوجود التناقض في معنى الحرية، بل تعيد المنصة طرح الحرية بأسئلة محورية: من يراقب الرقيب؟ ومن يحدد حدود التعبير؟ وكيف تُحمى الوعود من ضغوط السوق؟ وهذه الأسئلة إجابتها هي أسئلةٌ في نفسها، إذ تُظهر أن الحرية ليست ميزة يمكن إضافتها لتطبيق ما، وإنما صراع مستمر وفعل يحتاج إلى مشاركة الجميع.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك