عندما تحضر الكوميديا في قلب التراجيديا، وعندما تحضر التراجيديا في قلب الكوميديا، ويجتمع القناعان معاً قناع الضحك وقناع البكاء، تكتمل الدراما ويلتئم شقّاها (تراجيديا / كوميديا)، ويتسع فن التمثيل ليظهر بعضاً من سحره اللانهائي.
داخل العمل الكوميدي ذاته وعند لحظات معينة يتوقف الضحك، حيث ينزع الممثل قناع الكوميديا، ويضع قناع التراجيديا، فيحدث ذلك الانقلاب الشعوري لدى المتفرج، وتزداد حواسه انتباهاً من أجل تلقٍ جديد.
يتغير تكنيك الممثل تماماً في ما يتعلق باستخدام الصوت والوجه والجسد، يضع نفسه في ذروة الانفعال النفسي، ويُسلم روحه إلى الحزن، ويركز عواطفه على نقطة عميقة من الألم.
فجأة يبكي الضاحك ويتألم، ذلك الذي كان يبدو في ضحكه، كما لو أن دموع الحزن لا تعرف إلى عينيه سبيلا، فإذا به الأشد هشاشة أمام الألم والأكثر ضعفاً أمام الدموع.
عند تناولنا لهذا الموضوع سيكون التركيز على فن التمثل في مصر وحدها، وسوف نتطلع إلى الماضي بكل تأكيد، حيث كان فن التمثيل قائماً على أفضل وأجود ما يكون.
حتى إن المرء ليدهش من ذلك الثراء الذي كانت تنعم به مصر من المواهب الوفيرة المتنوعة، ويأسى ويألم لما أصابها اليوم من قحط شديد في فن التمثيل على وجه الخصوص، وما أصاب هذا الفن من عطب بالغ وأمراض كثيرة، كما لو أن يداً خفية امتدت إلى ذلك المعين السحري، الذي كان يفيض بالمواهب، فألقت فيه ما يلوثه ويفسده.
يعجب المرء كيف يستطيع من كانوا أجداده في فن التمثيل على هذا القدر من العظمة، أن يعبث بهذا الفن على ذلك النحو المؤسف، وكيف يتصدر عديمو الموهبة، عديمو القبول، ثقلاء الظل؟ وثقل الظل يعد أيضاً من أعظم مما ابتلي به فن التمثيل في مصر، بلاء لم يكن يتوقعه أحد، فمتى كان الممثل المصري ثقيل الظل؟التمثيل فن من أكبر الفنون وأعظمها، والممثل فنان مبدع لا مجرد أداة في يد المخرج، صحيح أن الممثل لا يبدع، أو يخلق فناً من العدم إلا إذا ارتجل من الألف إلى الياء، لكن أن يبدع الممثل فهذا من أصعب الأمور.
اعط مشهداً من مسرحية «هاملت»، على سبيل المثال، لجماعة من الممثلين، الكل سيؤدي بطبيعة الحال، لكن راقب جيداً وابحث بينهم عن المبدع المجيد، ذلك الذي إن ظهر سيبهرك، كما لو أنك لم تشاهد «هاملت» من قبل.
عندئذ تستطيع أن تقرر مدى صعوبة الأمر، وما يتطلبه من قدرات إبداعية.
قد يذهب الممثل التراجيدي إلى أداء عمل كوميدي بالكامل لا تعرف التراجيديا إليه طريقاً، والعكس أيضاً، قد يذهب الممثل الكوميدي إلى أداء دور تراجيدي بعيداً عن الضحك، وقد تجتمع الكوميديا مع شيء من التراجيديا في عمل واحد، وقد نجد ضحكة أو ابتسامة ما في أعماق عمل مأساوي.
عندما يبكي الممثل الكوميدي أو يحزن بشكل أو بآخر، يكون ذلك تحولاً درامياً يثير المتفرج، ويجعل هذا السؤال يدور في نفسه: كيف لهذا الضاحك أن يبكي؟ وربما من دون وعي منه، يعيد عقله ترتيب العلاقة بين الضحك والبكاء، يرى الحزن الذي يستطيع أن يهاجم الفرح، والفرح الذي يطغى على الأحزان.
مثلما تشعرنا المأساة بالخوف والشفقة، الشفقة على البطل التراجيدي وما جرى له، والخوف من التعرض لمصير يشبه مصيره.
كذلك يجعلنا ذلك التراوح بين الحزن والفرح في حالة من عدم الاطمئنان والركون إلى حال بعينه.
لا يقل تكنيك التمثيل الكوميدي صعوبة عن تكنيك التمثيل التراجيدي، لكن متلقي الكوميديا، ربما لا يتاح له في كثير من الأوقات، ذلك القدر من التركيز على ملاحظة ما وراء ذلك الإضحاك من جهد.
لذلك عندما يتحول الكوميديان أمامه، وينتقل من الضحك إلى أداء مشهد تراجيدي، ينتبه المتلقي ويشعر على الفور بعمق ما يشاهده من تمثيل.
يصنف الممثل عادة إما كوميديان أو تراجيديان، وفق قدراته في الأداء، وطبيعة اللون الذي يجيده، والغالب مما يسند إليه من الأدوار.
وهذا تصنيف حقيقي ولازم، فهناك بالفعل من يجيد لعب الكوميديا ويبرع فيها، وهناك من لا يجيد سوى لعب الأدوار التراجيدية، ومن الممثلين من يمتلك ثقلاً كبيراً في جانب ما، لكنه يستطيع أن يقارب الجانب الآخر بمهارة.
كلمة «كوميديان» في اللغة الفرنسية تعني الممثل بشكل عام، حتى لو كان ممثلاً تراجيدياً، لكن الشائع لدينا هو استخدامها ككلمة تشير إلى الممثل الكوميدي حصراً.
في فرقة «ثلاثي أضواء المسرح» نجد ثلاثة كوميديانات (سمير غانم، جورج سيدهم، الضيف أحمد)، استمروا في العمل بشكل جماعي حتى وفاة الضيف أحمد المبكرة.
ثم أكمل الثنائي سمير غانم وجورج سيدهم لفترة ما، انقضت بمرض جورج سيدهم وانعزاله النسبي عن عالم الفن، ليستمر سمير غانم منفرداً حتى وفاته.
قدم كل من الفنانين الثلاثة الكوميديا تمثيلاً وغناء وارتجالاً، في مسيرة فنية حافلة شملت فوازير رمضان، والاسكيتشات الغنائية، والمسرحيات والأفلام السينمائية.
كان لكل منهم أسلوبه الخاص في الأداء والإضحاك، والأنماط الشخصية التي تلائمه شكلاً وجسداً، لكننا نجد أن سمير غانم وهو الكوميديان المرتجل البارع، لم يفارق الكوميديا، وكان هو الأكثر إضحاكاً من حيث المساحة في أعمال الثلاثي.
أما جورج سيدهم والضيف أحمد، فكانا يفارقان الكوميديا في بعض الأحيان، ليقدما لحظات منفردة حزينة ومؤثرة بدرجات متفاوتة.
كما في مسرحية «طبيخ الملايكة»، على سبيل المثال، ذلك العمل الرائع الذي كان بداية لتحول فني كبير في مسيرة الثلاثي، لم يكتب له الاستمرار بعد وفاة الضيف أحمد، فقد كان مسرح الثلاثي بتنوع عناصره الفنية إضافة كبيرة للمسرح المصري، وتجربة يصعب تكرارها وتوفير وجمع مثل تلك المواهب مرة أخرى، بل إن الثلاثي نفسه لم يستطع تعويض الضيف أحمد، وتحول الثلاثي إلى ثنائي.
يعد «ثلاثي أضواء المسرح» نموذجاً جيداً للمقارنة بين ممثل كوميدي وآخر في قدرته على الأداء التراجيدي، ولو للحظات قصيرة داخل مسرحية كوميدية.
كما رسم عبد المنعم مدبولي البسمة على وجوه الملايين من المصريين، وهو صاحب المدرسة الخاصة في الكوميديا.
كان هو أيضاً من أسال دموعهم بشكل كبير، من خلال ما قدمه من مجموعة أعمال في السينما والتلفزيون، فهو «بابا عبده» و»جدو عبده» عندما كان الفنانون في مصر يشبهوننا ونشبههم، يعرفوننا ونعرفهم، قبل أن يسود ذلك الشعور الفظيع بالاغتراب والتعجب من كل ما نراه.
في مرحلة متقدمة من عمره، اكتسب عبد المنعم مدبولي لقب «بابا عبده»، بعد أدائه البارع لدور الأب في مسلسل «أبنائي الأعزاء.
شكراً».
اعتاد الفن المصري الانحياز للأم وتقديم الكثير من الأعمال عنها، وغالباً ما تكون تلك الأعمال مليئة بالدمع والأسى، وقليلة هي الأعمال التي تناولت الأب كموضوع فني، وقد تفوق في ذلك عبد المنعم مدبولي، من خلال مسلسل «أبنائي الأعزاء.
شكراً»، ومسلسل «لا يا ابنتي العزيزة».
قدم عبد المنعم مدبولي عاطفة الأبوة بأدق مشاعرها، وأثر في الجمهور تأثيراً كبيراً لا يزال باقياً، ويتجدد عند إعادة مشاهدة هذين العملين.
وعندما نتأمل أداءه، خصوصاً في المشاهد المباشرة بينه وبين أبنائه، نجد أن عبد المنعم مدبولي حول نفسه إلى كتلة من الأحاسيس، أو أنه تحول بالكامل إلى قلب لا يحمل سوى عاطفة الأبوة، ذلك القلب الذي يتألم أمام قسوة الأبناء، أو يحترق شوقاً وحنيناً لأبنائه، الذين حُرم منهم لسنوات طويلة بسبب ذنب لم يقترفه.
في السينما أيضاً أبكانا عبد المنعم مدبولي وهو الكوميديان الكبير، بل مزق القلوب من خلال مشاهده في فيلم «احنا بتوع الأوتوبيس»، حيث الجحيم في سجون ومعتقلات عبد الناصر، وهي مشاهد لا نحب أن نذكرها هنا، ومن المؤلم مشاهدتها.
وقد ترك عبد المنعم مدبولي للسينما المصرية، تلك القطعة الفريدة المفعمة بالفن والإبداع، ألا وهي أغنية «طيب يا صبر طيب»، من فيلم «مولد يا دنيا» للمخرج حسين كمال، بالإضافة إلى المهارة الشديدة في إخراج هذه الأغنية ضمن إطار الفيلم، نتوقف أمام عبد المنعم مدبولي كممثل يعرض مواهبه بقوة، ويطرح الموهبة تلو الأخرى بثقة كاملة، تلك الثقة التي تضفي طابع البساطة والسهولة على ما هو معقد وشديد الصعوبة.
نتابع تعبيرات الوجه، والاتصال المباشر بين العينين والشعور الداخلي للشخصية، والتمثيل بالصوت غناءً وإلقاءً واستحضار الصوت الملائم للشخصية تماماً، والأداء الجسدي المدهش، سواء في الرقص، أو في الحركة العادية المعبرة عن الانهزام والانهيار، وإخلال توازن الجسد عمداً للتعبير عن حركة الشخص المخمور، وهذا الذي يبدو اختلالاً في التوازن، يتطلب جهداً مضاعفاً من الممثل للحفاظ على توازن الجسد وانضباط الحركة حتى وهو يمثل الاختلال.
من عبد المنعم مدبولي ننتقل إلى عبد المنعم إبراهيم، صاحب الكوميديات الأساسية في تاريخ السينما المصرية، الذي قدم أعمالاً تراجيدية أظهرت الوجه الآخر له كممثل مقتدر.
امتلك عبد المنعم إبراهيم وجهاً ضاحكاً مبتسم الملامح بطبيعته، فإذا بهذا الوجه يتغير ويضع قناع الحزن والأسى، ويُبكي جماهيره كما لو أنه لم يضحكهم يوماً، وذلك من خلال مسلسل «أولاد آدم»، حيث جسد دور الأب وعبر عن تلك العاطفة الكبيرة التي يحملها الأب تجاه أبنائه، وشعوره بالمسؤولية والخوف وهو يراهم يتفرقون في سبل الحياة.
في هذا العمل يستطيع المتفرج أن يتابع تمثيله من أول المشهد إلى آخره ويستمت بملاحظة أدائه التراجيدي البليغ، كما كان دوره في مسلسل «الشهد والدموع» محزناً ومؤثراً إلى حد كبير.
ونذكر هنا أيضاً ما قدمه الفنان فؤاد المهندس من لحظات باكية، من الصعوبة أن يقاومها أحد، في مسرحية «أنا فين وإنتي فين»، عندما يعبر عن مشاعر الأبوة من دون أن يكون أباً حقيقياً، من خلال أغنية «رايح أجيب الديب من ديله».
لم يقدم فؤاد المهندس تراجيديا عادية أو منفصلة داخل السياق الكوميدي للمسرحية، وإنما مزج الكوميديا بالتراجيديا ليجعل من يشاهد هذا الجزء الخاص بالأغنية، يبكي في قلب الضحك، وتسيل دموعه بينما لا تزال الابتسامة على وجهه.
ومع عادل إمام نجد أنفسنا في عالم واسع من الأعمال المتعددة في المسرح والسينما والتلفزيون، وقدرات تمثيلية هائلة بلا حدود، حيث الامتلاك التام لناصية الكوميديا والتمكن من أسرار الضحك، والمرور الواثق المطمئن على الأداء التراجيدي بألوانه المتدرجة.
لكن يلاحظ عند عادل إمام، أن الألم كان أكثر تركيزاً وتكثيفاً، فهو لم يكن يلامس المشاعر القريبة السهلة التأثر لدى المتلقي، بقدر ما كان يهدف إلى خلق تأثير أعمق وأقوى، خصوصاً مع قلم الكاتب وحيد حامد، منذ مرحلتهما الفنية الأولى، حيث الحزن الناتج عن الشعور والتفكير معاً.
تطول القائمة ويمكن للحديث أن يستمر وأن نذكر المزيد من الممثلين، وعلى رأسهم بالطبع نجيب الريحاني صاحب أشهر دمعة في تاريخ السينما المصرية وأكثرها تأثيراً، وهو الكوميديان العبقري الذي منحنا الزمن لمحة خاطفة عن فنه، بينما لم نشاهد أغلب أعماله وروائعه المسرحية.
يعد يوسف من أكبر من قام بالتحول من التراجيديا إلى الكوميديا، نظراً لاتساع المسافة بين ما قدمه من أداء تراجيدي كلاسيكي للنصوص الرصينة، وما قدمه من كوميديا لا تزال تدهش المتفرج بخفة ظله، التي تُنسي ذلك المتفرج أنه أمام يوسف بك وهبي، الذي لطالما بث الرهبة في نفوس المشاهدين، كما لو كان ممثلاً آتياً من مسارح الإغريق.
ففي فيلم «إشاعة حب» على سبيل المثال، كان يوسف وهبي صاحب النصيب الأكبر من الضحك، متفوقاً على عبد المنعم إبراهيم الممثل الكوميدي في الأساس، وكذلك في فيلم «اعترافات زوج» مع فؤاد المهندس وماري منيب.
وكانت أمينة رزق مفاجأة كبرى في مسرحية «إنها حقاً عائلة محترمة»، وكانت الكوميديا في مشاهدها هائلة ومضاعفة تمثل أهم ذروات الضحك في المسرحية، قدمت أمينة رزق التي يضرب بها المثل في التراجيديا والحزن والبكاء، كوميديا نابعة من الجدية الشديدة في بعض المشاهد، ثم تغير الأداء مع تحول الشخصية من التزمت إلى الانطلاق وحب الحياة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك