يتواصل جدل التصريحات المتفائلة والمهددة في الوقت نفسه بين طهران وواشنطن، وسط حشود عسكرية أمريكية في المياه والقواعد الجوية الأمريكية القريبة من إيران.
فحاملة الطائرات الأمريكية لينكولن ومجموعتها القتالية الضاربة تبحر في المحيط الهندي على بعد 700 كم من إيران.
أما حاملة الطائرات الأكبر جيرالد فورد، فتبحر مع مجموعتها القتالية منذ أسبوعين نحو الشرق الأوسط.
كما أرسلت واشنطن عشرات الطائرات المقاتلة والقاذفة إلى قواعدها الجوية في المنطقة.
مقابل ذلك أجرت إيران مناورات عسكرية بحرية في مياه الخليج العربي، مُغلقة مضيق هرمز لساعات قليلة، كما وصل الطراد الروسي ستويكي إلى ميناء بندر عباس الإيراني للمشاركة في مناورات بحرية مع قطع بحرية إيرانية وصينية.
هكذا تدور المفاوضات الأمريكية الإيرانية، وسط تهديد أمريكي باستخدام القوة لتحقيق السلام، كما يزعم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مع تهديد إيراني مقابل بإغراق أي حاملة طائرات أمريكية قد تهاجم إيران، كما يزعم المرشد الإيراني علي خامنئي.
وعلى الرغم من التصريحات الإيجابية من الجانب الإيراني على لسان وزير الخارجية عباس عراقجي، أو على لسان نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس، لكن هذا الأخير أشار إلى خطوط حمر لم تقبلها إيران حتى الآن.
ويبدو أن محادثات جنيف كانت تحاول فيها طهران اقتصارها على الملف النووي، حيث عرضت تنازلات فعلية في ما يتعلق بمستويات تخصيب اليورانيوم، واليورانيوم المخزون ونقله إلى الخارج، وفتح المجال أمام تفتيش وكالة الطاقة الذرية.
لكنها رفضت ما يتعلق بالصواريخ البالستية ووكلائها في المنطقة.
ويبدو أن هذا ما تصر عليه الولايات المتحدة، بالتالي باتت الأجواء كلها تشير إلى تسريع لهذا التحشيد العسكري، وعن تحركات كثيرة في المنطقة، وبذلك تضع إدارة ترامب السلاح على رأس طهران، كي تستجيب لكل الطلبات وتقدم كل التنازلات، وبعكسه فإن الضربة القادمة ستكون وشيكة.
سوء الحسابات، أو سوء التقدير سيجعل الجميع أمام طاولة شطرنج مفتوحة، تتحرك فيها البيادق والقوى العسكرية بصورة واضحة للجانبين الأمريكي والإيراني.
إن رفع سقف الردع العسكري، الذي تمارسه الولايات المتحدة ليس الهدف منه منع الحرب، كما يظن البعض، لأنه يوجد كثير من العوامل التي تدفع إدارة ترامب إلى هذه الضربة بشكل حقيقي.
هي فقط أعطت إيران فرصة ونافذة لمدة أيام قليلة، كي تقدم طهران على تقديم التنازلات، وعندها سيروج الرئيس دونالد ترامب، أنه أستطاع بدبلوماسية تحقيق ما لم تحققه أية إدارة أمريكية سابقة، وتوصل إلى اتفاق يحقق له كل أغراضه، متفوقا على الاتفاق الذي توصل إليه الرئيس السابق باراك أوباما، وإذا لم يحدث ذلك، ولم يحصل على التنازلات من قبل إيران، فإن مسار الضربة قادم لا محالة، خاصة أنه وعد المتظاهرين الإيرانيين بالمساعدة.
بالتالي تندرج خطوات الإدارة الأمريكية، بين فرض عقوبات، وخروج وزارة الخارجية الأمريكية بعقوبات على حوالي 18 مسؤولا إيرانيا، بالغاء التأشيرات، وعقوبات على من شارك في قمع المتظاهرين، وأيضا بتصريحات ترامب التي أشار فيها أكثر من مرة، إلى أنه يفضل الدبلوماسية لكن لديه خيارات أخرى.
ومع ذلك فإن رفع مستوى الردع من قبل الطرفين في وقت واحد، يجعل خطر سوء الحسابات مرتفعا جدا أيضا.
وهذا بالفعل ما تتحضر له الإدارة الأمريكية، لأن سوء الحسابات، أو سوء التقدير سيجعل الجميع أمام طاولة شطرنج مفتوحة، تتحرك فيها البيادق والقوى العسكرية بصورة واضحة للجانبين.
وتدرك واشنطن مخاطر إقدام طهران على غلق مضيق هرمز، وتفخيخ المسارات البحرية، وما سيشكله كل ذلك من تأثير كبير على أسواق النفط.
بالتالي التأثيرات السلبية كبيرة وكثيرة على كل دول المنطقة، بل على دول أخرى مثل تركيا وروسيا، وغيرهما من دول العالم.
كما أن هناك تحديات داخلية في الولايات المتحدة، واعتراضات من حركة مناصري الرئيس ترامب، وكذلك الكونغرس، الذي يصر على مبررات حقيقية لهذه الضربة.
وهنا يبرز التساؤل، إن كان ترامب يملك التفويض السياسي للقيام بهذه الضربة، خاصة أن الكثير من التقارير تقول إن الولايات المتحدة قد تكون أقرب إلى صراع عسكري موسع مع إيران، أكبر مما يدركه الرأي العام الأمريكي؟ وهل هو يأخذ بعين الاعتبار تأثير ذلك على الانتخابات النصفية التي ليست بعيدة من الآن؟للإجابة على هذا التساؤل لا بد من القول، إذا ما قارنا بين الضربة الأخيرة التي وجهت لطهران في يونيو/ حزيران الماضي، بعد عدة جولات من المحادثات الدبلوماسية، والوضع العسكري الآن، سنجد أن الوضع القائم اليوم أكبر بكثير في التحشيد العسكري، مما كان عليه الأمر في العام الماضي.
من جانب آخر هناك بالفعل إدراك للمخاطر التي ستترتب عليها هذه الضربة، وإدراك لما يتعلق بالداخل الأمريكي ومستويات شعبية الرئيس دونالد ترامب، ومخاطر الانخراط في حرب في منطقة الشرق الأوسط لفترة طويلة.
لكن في نهاية الأمر ما تريده الإدارة الأمريكية تحسبا لكل هذه المخاطر، من الكونغرس ومن مناصري حركة ترامب، ومن الاستعداد لسباق الانتخابات النصفية التشريعية، هو توجيه ضربات رادعة وكبيرة قد تؤدي الى إسقاط النظام الإيراني، وهو ما تتحضر له بالتنسيق مع إسرائيل.
فالمسألة لم تعد ضربات محددة ومنسقة ومحدودة ولفترة زمنية قصيرة، إنما أصبحت الرؤية الآن، أنه لا بد من ضربات حاسمة وواسعة وقد تكون مستمرة لفترة طويلة نسبيا.
لكن في النهاية تؤدي إلى ما يروجه الرئيس ترامب من أنه حقق النجاح في هذه المسارات الثلاثة مع إيران، وهي القضاء على فكرة امتلاك سلاح نووي، والقضاء على البنية النووية التحتية، والقضاء على برنامج الصواريخ البالستية.
لكن ماذا بشأن المناورات العسكرية الإيرانية الروسية الصينية المشتركة؟ كيف تفهم إدارة ترامب رسائلها في هذا الوقت؟لا شك في أن هذه المناورات هي في إطار التحدي الإيراني، وإظهار القوة والاستعداد لمواجهة أي ضربات عسكرية أمريكية، والرد عليها بأقوى سلاح تملكه طهران، وهو مضيق هرمز وتفخيخه وإغلاقه، كما جرى قبل أيام على سبيل التجربة، والاستعداد لما يحدث في ما بعد، وهذه التحديات تدركها واشنطن.
بالتالي هناك مجال عبّرت عنه إدارة ترامب بين المساحة الرمادية الغامضة، وإتاحة الفرصة للمحادثات والمفاوضات وإعطاء نافذة ثانوية تمتد حتى نهاية فبراير/ شباط، وفي الوقت نفسه إعطاء هذه المهلة الزمنية، استعدادا لهذه المناورات العسكرية.
بالتالي إذا كانت هذا المناورات العسكرية الإيرانية الروسية الصينية ستستغرق بضعة أيام، فالإدارة الأمريكية تعطي مساحة زمنية أطول حتى ترد إيران بما يمكن تقديمه من تنازلات.
وإلا ستكون هناك ضربة قد يعلن عنها ترامب، مع التنسيق، والحدود التي تضعها الإدارة لتحقيق الأهدف المرجوة من هذه الضربة، وفي الوقت نفسه دفاعيا وهجوميا واستعداد لكل الخطط الإيرانية التي يمكن أن تهدد المصالح الأمريكية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك