تحول شهر رمضان في السنوات الأخيرة إلى ساحة مفتوحة لتنافس خوارزميات منصات الاستماع الموسيقي والرقمي العالمية؛ فبينما يضبط الصائم ساعته البيولوجية على مواعيد الإفطار والسحور، تضبط تطبيقات، مثل" سبوتيفاي" و" أنغامي" و" آبل ميوزيك" و" تيك توك" ذكاءها الاصطناعي على إيقاع اليوم الرمضاني.
في سعيها إلى جذب جمهور المستمعين خلال شهر رمضان، تعتمد منصة سبوتيفاي على ما يُعرف بـ" التخصيص الزمني" (Temporal Personalization)، وهي استراتيجية تتبعها الخوارزميات لفهم كيف تتغير أذواق الجمهور بناء على عنصري الوقت والسياق، فتحلّل سلوك المستخدمين وتربطه بتوقيتات اليوم، خصوصاً في موسم مثل رمضان.
تتمثّل النتيجة بتجربة استماع تتبدل تلقائياً على امتداد اليوم.
وبدلًا من قوائم مثل موسيقى العمل أو الأغاني الرائجة، تعيد المنصات خلال رمضان تشكيل ذائقة الاستماع بما يتناسب مع خصوصية الشهر؛ فتتراجع الموسيقى الصاخبة ليحلّ محلّها محتوى أهدأ وأكثر روحانية، فتبرز الأناشيد الخالية من الموسيقى والتواشيح الدينية ضمن الواجهة الرئيسية للتطبيقات، خاصة في ساعات الصباح الأولى.
يأتي هذا التحول استجابةً لرغبة كثير من المستخدمين في اختيار محتوى يحافظ على أجواء الصيام ويعكس الطابع الروحي لرمضان.
إلى جانب ذلك، تأخذ الخوارزميات بعين الاعتبار توقيتات اليوم الرمضاني عند اقتراح هذا النوع من المحتوى.
ففي أوقات السحر والفجر، تركز" سبوتيفاي" على التواشيح الهادئة والأناشيد الروحانية ذات الإيقاع الخفيف، مستعينة بأصوات مهمّة في الإنشاد، مثل النقشبندي ونصر الدين طوبار.
خلال النهار، تستمر الاقتراحات في الاتجاه نفسه، مع حضور واضح للأناشيد الخالية من الآلات الموسيقية.
قبيل الإفطار، تظهر مقطوعات هادئة وأناشيد مألوفة بغرض التخفيف من توتر الانتظار، قبل أن تعود المنصات بعد الإفطار تدريجياً لاقتراح الأغاني والموسيقى التقليدية، إلى جانب تترات المسلسلات الرمضانية التي تحظى بإقبال واسع في هذا الوقت.
في هذا السياق، أطلقت" سبوتيفاي" مركزاً خاصاً تحت اسم Ramadan Hub، يضم مئات القوائم الموسيقية والبودكاست الديني.
تشير بيانات المنصة إلى أن الاستماع للمحتوى الروحي يرتفع عادة بنسبة تصل إلى 160% في الأسبوع الأول من رمضان، مع زيادة بنحو 50% في البحث عن قوائم التركيز خلال ساعات النهار.
أما الأرقام الأكثر لفتاً للانتباه، فتتمثل في قفزات ضخمة في نسب الاستماع؛ إذ تسجل قوائم الهدوء نمواً يتجاوز، في العادة، 3000% خلال أول أسبوعين من الشهر، بينما يرتفع الاستماع للأناشيد الإسلامية عالمياً بنسبة 68%، في حين تحقق تترات المسلسلات الرمضانية زيادة تقارب 2900% مقارنة ببقية شهور العام.
من ناحيتها، اختارت منصة أنغامي أن تراهن على التفاعل المباشر والمحتوى الحصري بوصفهما عموداً فقرياً لاستراتيجيتها الرمضانية، وذلك من خلال خاصية" لايف رمضان" (Live Ramadan)؛ إذ تفتح المنصة غرفاً صوتية تجمع المنشدين والفنانين بجمهورهم في بث مباشر، مع إتاحة الطلبات والتفاعل الحي، خصوصاً في أوقات السحر وما بعد الإفطار.
شهدت هذه الغرف، خلال موسمي 2024 و2025، تنظيم أكثر من 60 جلسة مباشرة تنوعت بين الإنشاد والتوعية الدينية، وصولاً إلى مناقشة المسلسلات الرمضانية.
توازياً، أبرمت" أنغامي" صفقات حصرية مع أصوات مثل حسين الجسمي وماهر زين، لإطلاق أدعية وأناشيد لا تتوفر إلا عبر التطبيق.
لم تكتف المنصة بالمحتوى الصوتي، بل طورت أدوات تقنية مرافقة للصائم، مثل خاصية تتبع ختمة القرآن، ومنبهات السحور بأصوات المسحراتي، في محاولة لدمج العبادة بالحياة الرقمية اليومية.
تشير بيانات" أنغامي" إلى أن ذروة الاستماع تبدأ من العاشرة مساءً وحتى الثانية صباحاً، إذ تتصدر تترات المسلسلات قوائم التوب 50 في مصر ودول الخليج.
في المقابل، قدم مغنون مثل حسين الجسمي وماهر زين أعمالاً خالية من الموسيقى، كما نشر سامي يوسف تسجيلات حية حصرية للمنصة خلال رمضان الماضي، إلى جانب الثنائي محمد طارق ومحمد يوسف اللذين حققا انتشاراً بأغنية" قمرون"، وضمت قائمة الأكثر استماعاً أيضاً أسماء مثل عمرو دياب وإليسا وتامر عاشور وأحمد سعد.
أما منصة آبل ميوزيك، فتسلك مساراً تقنياً مختلفاً، يعتمد على تقنية الصوت المحيطي (Spatial Audio) المدعومة بـDolby Atmos.
لا تكتفي هذه التقنية بنقل الصوت، إذ تعيد تشكيله في فضاء ثلاثي الأبعاد يحيط بالمستمع من جميع الاتجاهات، مانحةً إحساساً أقرب إلى الجلوس داخل مسجد أو قاعة إنشاد.
تسهم هذه التجربة في تعزيز التركيز الروحي، عبر عزل الضوضاء الخارجية وإبراز أدق تفاصيل الصوت، مثل نبرة النفس والحُليات الدقيقة، ما يساعد على الانغماس الكامل في الإنشاد أو الابتهال.
تعتمد" آبل ميوزيك" على قوائم تشغيل منسقة بعناية تحت عناوين مثل Ramadan Essentials، شارك في إعدادها الأعوام الماضية أصوات مثل إليسا ونوال الكويتية، في محاولة لخلق رابط مباشر بين الفنان وجمهوره خلال هذا الشهر.
توفر المنصة مكتبة ضخمة للمنشدين أمثال ماهر زين وسامي يوسف ومشاري العفاسي، مع التركيز على إصدارات حصرية وألبومات تجميعية مثل ألبوم رمضان.
وتخصص قوائم مثل Instrumental Muslim Playlist التي تركز على آلات العود والقانون والناي، لتوفير خلفيات صوتية هادئة خلال ساعات الصيام.
في المقابل، تلعب منصة تيك توك دور المحرك الأسرع لصناعة النجومية الرمضانية.
فالمنصة لا تنتظر عرض المسلسلات، بل تتعاون مع شركات الإنتاج ومشاهير الغناء لنشر مقاطع قصيرة من تترات الأعمال قبل انطلاقها الرسمي، ما يخلق ترنداً استباقياً.
وخلال رمضان الماضي، سيطر هاشتاغ رمضان على مليارات المشاهدات، بينما تصدر مغنّون مثل أحمد سعد وروبي عبر مقاطع مدتها 15 ثانية، تحولت سريعاً إلى أصوات مستخدمة على نطاق واسع.
أسهم هذا الزخم في تحقيق بعض الأغاني نجاحات جماهيرية قبل أن تُطرح الأعمال كاملة على منصات أخرى.
منذ عام 2023، تعاونت" تيك توك" مع أحمد سعد وتامر حسني لإطلاق مقاطع صوتية قصيرة (أدعية أو ابتهالات) صُمّمت خصيصاً لتناسب فيديوهات الـ15 ثانية.
ظهرت هذه المقاطع عبر حساباتهم الموثقة قبل طرحها كاملة، فيما استمر هذا النشاط عبر ميزة Ramadan Hub في عام 2024، مع توفير مقاطع صوتية رسمية وحصرية لنخبة من النجوم، مثل إليسا وعمرو دياب (عبر إعلاناتهم) وأدعية لنجوم مثل أحمد سعد ومحمد طارق، لتكون متاحة خلفياتٍ صوتية قبل طرحها على المنصات الأخرى.
في الأعوام الأخيرة، استضافت المنصة عبر ميزة البث المباشر جلسات غنائية ودينية حصرية، تعاقدت خلالها مع فنانين ومنشدين لتقديم ابتهالات حية تهدف لتعزيز المحتوى الروحاني خلال رمضان.
وقد تستمر هيمنة أحمد سعد صوتاً أساسياً في رمضان 2026، مع تعاقدات لإطلاق" نسخ تيك توك" من تترات مسلسلاته، وهي مقاطع قصيرة معاد توزيعها لتناسب تحديات المنصة.
في المحصلة، لم تعد تجربة رمضان الرقمية عفوية أو عشوائية، بل باتت نتاج معادلة دقيقة تجمع بين البيانات والخوارزميات والبعد الروحي.
فبين خوارزميات الخشوع التي ترافق الصائم في ساعات الفجر، وذكاء الترند الذي يشعل المنافسة بعد الإفطار، تعيد منصات البث الموسيقي هندسة يوم الصائم، لتصبح جزءاً لا يتجزأ من طقوس رمضان في العصر الرقمي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك