أكتب هذا النص وأنا أشعر أن اللغة ليست دائماً في صفي؛ تسبقني أحياناً بخطوة، وتفضح ارتباكي قبل أن أتعرف إليه، وتتصرف كما لو أنها تفهمني أكثر مما أفهم نفسي.
في مثل تلك اللحظات لا أشعر أنني أكتب، بل أُفاوض جُمَلاً عنيدة؛ أطلب منها أن تتمهّل، أن تمشي معي لا أمامي.
وربما لهذا لا أرى نفسي كاتباً بالمعنى المكتمل للكلمة، بل متأمّلاً يدوّن ملاحظاته على الهامش، يراقب ما يحدث داخله وخارجه، ثم يحاول التقاطه كما يلتقط رسّام أثر الضوء أو مصوّر حركة عابرة.
فالكتابة الإبداعية، في تجربتي، لا تختلف كثيراً عن الرسم أو التصوير؛ ليست إعلاناً عن معنى، بل محاولة إصغاء وتسجيل أثر لحظة قبل أن تختفي.
حين تأملت ذلك أدركت أن خلفيتي التشكيلية تجعلني أتعامل مع النص بوصفه سطحاً بصرياً لا معنى مكتملاً؛ شيئاً يُصنع أولاً ثم يُرى لاحقاً.
من هنا بدأت أفكّر في ما سمّته الدكتورة لمياء شمت" اللغة الواشية"؛ ذلك الوصف الذي أصابني لأنه سمّى إحساساً كنت أعرفه من دون أن أجرؤ على تسميته.
اللغة الواشية هي اللغة التي لا تحتمل الغموض، فتفشي المعنى قبل أن يكتمل، وتتعجّل كشف ما يحتاج إلى زمن ليبلغ نضجه الوجودي.
أتذكّر جملة كتبتها في نص سابق؛ كانت متقنة وواضحة ومحبوبة لدى القرّاء.
عدت إليها بعد أيام وشعرت بالغربة.
لم تكن خاطئة ولا كاذبة، لكنها كانت سابقة لزمنها الداخلي؛ قالت ما لم أكن قد عشته كاملاً.
عندها فهمت أن الوضوح قد يكون شكلاً من أشكال العنف الناعم، وأن الاستعجال في الفهم اختصار قاسٍ للتجربة.
في هذا السياق، يحضر غابرييل غارسيا ماركيز، لا بوصفه كاتباً كبيراً فحسب، بل بوصفه من وثق في الزمن أكثر مما وثق في الجملة.
في" الحب في زمن الكوليرا"، لا يبدو الحب حدثاً، بل انتظاراً طويلاً، تراكماً صامتاً يُختبر فيه الصبر أكثر مما تُختبر العاطفة.
اللغة هناك لا تشرح نفسها ولا تتعجّل الاعتراف، وتترك الزمن يعمل وحده، كأن المعنى ينضج حين يُترك وشأنه.
كتب فالتر بنيامين أن الحقيقة لا تُعطى دفعة واحدة، بل تظهر في الشقوق، وفي التراكم البطيء، وفي ما يُقال على الهامش.
ربما لهذا كتب فالتر بنيامين أن الحقيقة لا تُعطى دفعة واحدة، بل تظهر في الشقوق، وفي التراكم البطيء، وفي ما يُقال على الهامش.
الحقيقة لا تحب الضوء المباشر وتضعف حين تُستعجل.
إلى جوار اللغة الواشية، تظهر اللغة المُثقَلة بالنيّة؛ لغة حريصة، طيبة، تريد أن تكون مفهومة وعادلة.
غير أن هذا الحرص نفسه قد يتحوّل إلى عبء.
حين تمتلئ الجملة بالقصد تفقد خفّتها، ويضيق ذلك الفراغ الذي يسمح للقارئ أن يدخل النص من دون وصاية.
هنا لا تخون اللغة الفكرة، بل تُرهقها.
في الجهة الأخرى، تلوح اللغة المتورطة؛ لغة دخلت التجربة بلا ضمانات وخرجت محمّلة بأثرها.
لا تملك رفاهية الشرح الكامل ولا ترغب فيه.
تورّطها ليس ضعفاً، بل علامة مشاركة حقيقية؛ جملة تعرف أنها غير مكتملة فتترك نقصها ظاهراً.
يحضرني ميلان كونديرا بوصفه كاتباً شديد الحساسية تجاه اللغة حين تتحوّل إلى تفسير جاهز للعالم.
كان يرى أن الرواية تفقد روحها حين تثقل بالحكمة المعلنة، وأن المعنى حين يُقدَّم مكتملاً يفقد قدرته على الإرباك.
كتابته تميل إلى التردّد، إلى المفارقة، إلى الجملة التي تفتح سؤالاً ثم تنسحب.
كان يعرف أن الخفّة ليست نقيض الثقل، بل شرطه الأخلاقي.
ثم تأتي اللغة الناجية، وهو توصيف لمح إليه الصديق الدكتور عادل القصاص في أحاديثنا الطويلة عن الكتابة، ليست لغة منتصرة، بل لغة بقيت؛ لغة عبرت الألم ولم تعد معنيّة بتبريره.
فيها اقتصاد وصمت وتواضع.
تشبه كتابة غسان كنفاني حين كان يترك الفجيعة تعمل وحدها، واثقاً أن القارئ لا يحتاج إلى إرشاد دائم.
في هذه اللغة لا يُقال كل شيء ويُفهم الكثير.
حين أفكّر في كل هذا أدرك أن علاقتي باللغة ليست مسألة أدوات أو مهارات، بل علاقة إنسانية خالصة.
أخاف الغموض أحياناً لأنّني أخاف نفسي حين لا أفهمها كاملة.
أستعجل الجملة لأنّني أبحث عن طمأنينة سريعة، وأكتب أحياناً كي أغلق السؤال، ثم أكتشف أن الكتابة الحقيقية تبدأ في اللحظة التي أتركه فيها مفتوحاً.
أتذكّر حديثاً دار بيني وبين الصديق محمد خلف، وكان يتحدث عن النص كما لو أنه كائن له مزاجه وزمنه ولا يحب العجلة.
لا يستعجل النشر، ويترك الكتابة تستقر قبل أن يقرّر مصيرها.
أما أنا فأكتب دفعة واحدة، كأنّني أفتح باباً داخلياً وأترك كل ما خلفه يندفع في لحظة واحدة.
تأخذني نشوة الاكتمال المؤقت فأندفع إلى النشر قبل أن أسأل النص إن كان جاهزاً.
نصيحته كانت أن أكتب بلا كوابح، ثم أتنحّى قليلاً، أترك النص جانباً وأعود إليه بعد حين بعين أقل انفعالاً.
عندها فقط فهمت أنني أكتب بالطريقة نفسها التي أرسم بها.
لهذا؛ أحاول الآن أن أكتب بطريقة أقل ادّعاءً وأكثر إنصاتاً؛ أترك للجملة أن تتعثّر معي، وأن تفكّر وهي تُقال، وأن تقبل بأن بعض المعاني قد لا تصل كاملة.
فكما كتب الفيلسوف الإيطالي أنطونيو غرامشي أن الوعي لا يولد دفعة واحدة، بل يتشكّل عبر الصراع والتراكم، كذلك اللغة لا تكون صادقة إلّا حين تعترف بزمنها.
أكتب اليوم وأنا أقلّ ثقة في الجملة المكتملة، وأكثر ميلاً إلى تلك التي تتردّد قبل أن تُقال.
تعلّمت أن المعنى الذي يصل متأخراً يكون أصدق، وأن اللغة التي تمشي ببطء تمنحنا فرصة أن نشاركها ضعفها.
الكتابة لا تُنقذنا من الالتباس، لكنها تعلّمنا كيف نقيم فيه من دون فزع.
وربما لهذا أفضّل الجملة التي لا تُغلق الباب تماماً، وتترك في نهايتها فراغاً صغيراً… يكفي لأن نتنفس.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك