يقول حمزة العقرباوي: " الناس البسطاء هم التاريخ الحقيقي، لا ما يُكتب في الكتب".
وبعد عامين من الحرب على غزة ومحاولات دفع الناس إلى الرحيل قسراً، تضع الحرب أوزارها أخيراً.
لا يُعرف إن كان من قبيل المصادفة أن يأتي رمضان هذا العام متزامناً مع نهاية هذه المرحلة الثقيلة، لكنه رمضان مختلف؛ رمضان مثقل بالغياب.
يحلّ الشهر الكريم محمّلاً بإحساس واسع بالنقص؛ نقص في الآباء والأبناء والأمهات، وفي الأجداد والجدّات.
تشير تقديرات محلية إلى استشهاد نحو 22 ألف أب، و20 ألف طفل، وقرابة أربعة آلاف جدّ وجدّة لن نحظى بدعواتهم عند أذان المغرب، إضافة إلى نحو تسعة آلاف أم سيفتقدهن أبناؤهن أكثر من أي وقت مضى.
لقد غيّرت الحرب كل تفاصيل رمضان في غزة؛ ففي كل أسرة تقريباً كرسيّ فارغ، وصوت لن يُسمع، وطقوس فقدت أحد أركانها.
هذا الغياب الواسع يترك أثراً عميقاً في العائلات التي تستقبل أول رمضان دون أحبّتها، ويجعل من الشهر الكريم مساحة تتقاطع فيها العبادة مع الحزن، والذاكرة مع محاولة التماسك.
وتستحضر هذه الحالة ما كتبه محمود درويش: " على هذه الأرض ما يستحق الحياة"، في إشارة إلى قدرة الفلسطينيين على التمسك بالحياة رغم الفقد، ومحاولتهم إعادة بناء تفاصيلها حتى في أكثر اللحظات قسوة.
كانت لنا، نحن الغزيين، طقوسنا الخاصة في شهر رمضان.
كان البحر دائماً جزءاً من ذاكرتنا الجماعية؛ كورنيش البحر على امتداد شارع الرشيد مساحة يومية للصائمين قبل الإفطار، يكتظ بالمشاة والأطفال وحركة السيارات.
كانت تلك الممارسة نوعاً من التفريغ النفسي للعائلات بعد نهار طويل من الصيام، فيما تفترش عائلات أخرى الرمل بموائدها في طقس رمضاني محبّب: الإفطار أمام البحر.
وبعد صلاة التراويح، كان الكورنيش يتحول إلى حياة أخرى؛ عربات الباعة المتجولين على امتداد الطريق، ذرة ساخنة، قهوة، ألعاب أطفال، وضحكات تمتد حتى ساعات متأخرة من الليل.
لم يكن المكان مجرد شارع أو شاطئ، بل فضاء اجتماعياً يعيد تعريف رمضان بوصفه شهراً لإحياء الطقوس الجماعية.
أما اليوم، فقد أضحى الكورنيش ركاماً، ومساحة تفترشها خيام النازحين بدل العائلات المسرورة.
هنا تكمن المفارقة التي تكاد تقتلنا جميعاً: المكان نفسه الذي كان يمنح الغزيين متنفسًا للحياة، بات شاهداً على فقدها، وعلى رمضان يأتي هذه المرة بلا بحر ولا طقوس، سوى الذاكرة.
يتحايل الغزيون على هذا الواقع القاسي عبر مبادرات فردية تحاول إحياء طقوس رمضان من قلب الركام.
رسومات تُخط فوق أنقاض البيوت المدمرة، لا لتزيّن المكان بل لبث الأمل ورفع المعنويات في مدينة أنهكها الفقد.
وفي مخيمات النزوح، يرسم الأطفال فوانيس رمضان على نايلون خيامهم، بديلًا عن الفوانيس المضيئة التي غابت مع غياب الكهرباء، ومعها أبسط مقومات الحياة.
يتحايل الغزيون على هذا الواقع القاسي عبر مبادرات فردية تحاول إحياء طقوس رمضان من قلب الركام.
رسومات تُخط فوق أنقاض البيوت المدمرة، لا لتزيّن المكان بل لبث الأمل.
من اللاشيء يحاول الغزيون خلق شيء، ومن العتمة يصنعون معنى.
يفعلون ذلك لأنهم يؤمنون – أو لأنهم مجبرون على الإيمان – بأن إرادة الحياة لا بد أن تنتصر في النهاية.
وإلى جانب موائد الإفطار الجماعية في المخيمات، برزت سمة مدهشة تعلّمناها هناك: التكافل.
لم يعد الفرح شأناً فردياً، بل جماعياً، كما يغدو حزن أحدنا حزن الجميع.
تفاصيل صغيرة لم نكن نعرفها نحن أبناء المدينة بهذا العمق، لكننا تعلمناها قسراً في بيئة النزوح؛ حيث تتقلص المساحات الخاصة وتتسع الروابط الإنسانية، ويصبح العيش المشترك شكلاً من أشكال النجاة.
قد لا يمحو رمضان آثار عامين من الإبادة، لكنه يفتح نافذة صغيرة للتعافي.
ففي كل مائدة إفطار جماعية، وكل مبادرة تطوعية، وكل صلاة جماعية، يحاول الغزيون إعادة ترميم ما تهدّم في داخلهم.
وبين ثقل الذاكرة والأمل الحذر، يتعلم الفرد أن التعافي النفسي رحلة تتكوّن من لحظات صغيرة: ابتسامة طفل، كلمة طيبة، لمسة دعم من الجيران، أو شعور بالانتماء إلى جماعة تصلي وتفطر معًا.
إن استعادة الإحساس بالحياة الطبيعية لا تأتي دفعة واحدة، بل عبر الروتين اليومي والتواصل الاجتماعي والممارسات الروحية التي تمنح الإنسان فرصة لإعادة ترتيب أولوياته ومواجهة الخوف والقلق خطوة خطوة.
كل صلاة جماعية، وكل طقس رمضاني، يصبحان فرصة لإعادة بناء الثقة بالنفس وبالآخر، وتعليم الأطفال والنساء كيف يمكن للحياة أن تستمر رغم الفقد، وكيف يمكن للأمل أن يزهر حتى في أقسى الظروف.
وهكذا يتحول رمضان من مجرد شهر عبادة إلى مساحة للتأمل والتلاحم؛ حيث يُعاد تعريف القيم الاجتماعية والنفسية، ويتعلم الناس – ببطء ولكن بثبات – أن الحياة، رغم كل شيء، تستحق أن تُعاش، وأن الفقد يمكن تجاوزه حين يجد الإنسان نفسه محاطاً بجماعة تمنحه الأمان والدعم وتشجعه على المضي قدماً.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك