يُعدّ السباق الرمضاني للمسلسلات ظاهرة ثقافية أعادت صياغة طبيعة هذا الشهر في وعي المجتمع العربي؛ ففي الوقت الذي يُفترض فيه أن يُكرّس الشهر الفضيل للعبادات والتأمل، تحول إلى ساحة تنافس محتدم بين الفضائيات والمنصات، يسعى كل منها لجذب المشاهدين واستبقائهم أمام الشاشات لأطول فترة ممكنة.
ومع هذا الزخم الإنتاجي، كثيراً ما يخيب أمل المشاهد العربي في الحصول على أعمال فنية ترتقي لمستوى تطلعاته، حتى في تلك التي تتناول قضايا مصيرية.
فالنص والأداء عنصران متلازمان؛ إذا اختل أحدهما تراجع العمل، وإذا تكاملا حقق الأثر المرجوّ.
وفي السنوات الأخيرة، برزت الثورة السورية بوصفها مادة درامية متكررة، مما سلط الضوء على أهمية التوثيق كركيزة أساسية لحفظ تاريخ الأمم وصياغة ذاكرتها للأجيال القادمة.
فالفن، بما يمتلكه من سطوة على الصورة والوجدان، قد يُستغل لتزييف الرمزية، فتُقلب أدوار البطل والجلاد، أو تُخلّد شخصيات لا تستحق الذكر.
من هنا، تكتسب حساسية تناول الثورة السورية أبعاداً خطيرة، خاصة حين يتعلق الأمر بفنانين وكتّاب كانوا بالأمس جزءاً من الماكينة الإعلامية للنظام البائد، ثم حاولوا لاحقاً إعادة تشكيل صورتهم، فيما عُرف شعبياً بلقب" المُكَوِّعين.
”.
إن توثيق هذه المرحلة التاريخية مسؤولية جسيمة؛ فهي ليست مجرد حدث عابر، بل صرخة مجتمع وتجربة إنسانية دامية.
التوثيق الأمين يحفظ تضحيات من بذلوا أرواحهم دفاعاً عن كرامتهم، ويصوغ سردية وطنية عابرة للأجيال.
لذا، لا يصح أن يُترك هذا المشروع رهينة للاعتبارات التجارية أو أمزجة شركات الإنتاج، بل يحتاج إلى إشراف نخبة من المثقفين والباحثين وأصحاب التجربة الحقيقيين.
كما يتطلب الأمر دقة متناهية في التمحيص، منعاً لتسلل روايات مشوهة أو قراءات منحازة تُعيد تشكيل الوعي الجمعي بصورة مغلوطة؛ فالذاكرة حين تُصاغ فنياً تصبح أكثر رسوخاً ونفاذاً من أي خطاب مباشر.
يلاحظ المتابعون أن عدداً من الفنانين الذين عُرفوا بمواقفهم الداعمة للسلطة يتجهون اليوم للمشاركة في أعمال تُجسد معاناة السوريين، بما في ذلك الأعمال التوثيقية.
هذا التحول يثير تساؤلات أخلاقية حول دوافعهم، إذ يُخشى أن يُتخذ الفن وسيلةً لغسل المواقف السابقة وإعادة تقديم أنفسهم للجمهور بوجوه جديدة.
الإشكال هنا لا يكمن في الفن بحد ذاته، بل في توظيفه؛ فحين تصبح الدراما المصدر الرئيسي للمعلومة التاريخية، فإن أي انحراف في تمثيل الشخصيات أو الأحداث سيؤدي حتماً إلى تضليل الرأي العام، وإعادة توزيع صكوك البطولة والمسؤولية بطريقة مجحفة تضر بقدسية الذاكرة الجمعية.
لذا، من الضروري وضع معايير مهنية صارمة تضمن سلامة السردية التاريخية، وتمنع استغلال المأساة كأداة لتلميع السمعة أو كتابة تاريخ انتقائي يخدم أفراداً لا قضايا.
حين يُوظف الفن بمسؤولية، فإنه يمتلك قدرة هائلة على صيانة الذاكرة الجماعية؛ فالأعمال الدرامية والسينمائية يمكن أن تكون منارات للتوعية، تُخلد التضحيات الحقيقية وتفكك السياقات الاجتماعية والسياسية المعقدة للأحداث.
لكن هذه القدرة تقابلها مسؤولية أخلاقية كبرى؛ فالذاكرة التاريخية ليست مادة خاضعة للمساومة أو التلاعب، والفن الذي يُسخر لتحريف الواقع يورث المجتمع ضرراً يفوق نفعه.
لذا، يجب أن يظل التوازن بين الحرية الإبداعية والدقة التاريخية حجر الزاوية في أي مشروع توثيقي صادق.
إن توثيق الثورة السورية ليس مجرد ترف فني، بل هو واجب أخلاقي يمس هوية الأمة.
ومن هنا يبرز التحدي الحقيقي: تحقيق معادلة تجمع بين جودة الفن وأمانة التاريخ، وصون تضحيات الشعب السوري من أي تشويه أو استغلال رمزي.
فالتاريخ لا يُحفظ بالشعارات أو المصالح الشخصية، بل بالصدق والوعي والانحياز للحقيقة أولاً، ليبقى إرث الثورة حياً ونقياً في وجدان الأجيال القادمة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك