في بلدٍ يئنّ تحت وطأة الغلاء وانهيار القدرة الشرائية، لا تبدو قرارات الضرائب كحل اقتصادي بقدر ما تحولت إلى عنوان جديد للفوضى والتناقض في إدارة المال العام.
فبين تصريحات متضاربة، وقرارات تُمرر في الخفاء، وسعر صرف يتغيّر دون أي رؤية واضحة، يجد المواطن الليبي نفسه مرة أخرى وحيدًا في المواجهة، يدفع الثمن من قوت يومه، بينما يتقاذف المسؤولون كرة الاتهام فيما بينهم.
كانت البداية من مطالبة مجلس النواب باستدعاء محافظ المصرف المركزي على خلفية الضريبة المفروضة على بيع النقد الأجنبي وهي ضريبة أُقرت أصلًا من قبلهم خرج عضو مجلس النواب ورئيس لجنة الاقتصاد “بدر النحيب” بمقترح فرض ضرائب على السلع والكماليات، في مشهد يعكس تناقضًا سياسيًا واقتصاديًا صارخًا.
النتيجة كانت إعادة تغيير سعر الصرف داخل إلى 6.
30 دينار مقابل الدولار، مع إلغاء ضريبة الـ15%، ليعود السعر عمليًا إلى وضعه السابق بضريبة وبدون ضريبة في الوقت نفسه! حيث تزامن ذلك مع فرض ضرائب على السلع والخدمات، الأمر الذي نفاه عدد من البرلمانيين رغم تنفيذه أساساً وفتح اعتمادات على أسعار جديدة، وطرد النحيب من لجنة الاقتصاد بالمجلس.
وتتمثل في 0% على الأساسيات مع استثناء التحويلات الحكومية والمشروعات التنموية، و7% على السكر لكافة الأغراض ومواد الخام للغير غذائية والحديد والصلب وصناعة الصابون، والشاي والبن والكاكاو والتوابل والأرز وفواكه وخضروات وسكر للاستهلاك، وضرائب 12% على مواد غذائية ومواد تنظيف والصوابين والمبيضات والمطهرات وحفاظات الأطفال ومستحضرات التجميل والكتب رالقرطاسية والورق وقطع غيار السيارات وكمالياتها.
أما الضرائب على المكسرات والشوكولاتة والأسماك والملابس والأحذية والأثاث 25%, و15% ضريبة على قطاع الطيران والخدمات 25% والأجهزة المنزلية 25% والسيارات أقل من 20 حصان 25% والسيارات من 20 ل30 حصان 30% وأكثر من 30 حصان 35%، والحلى والمجوهرات والذهب والمعادن الثمينة 35%، وأغذية الحيوانات الأليفة 35% والتبغ والسجائر 40%.
الشارع لم يلتزم الصمت، موجة غضب واسعة اجتاحت مواقع التواصل، وهاشتاقات تطالب بإجراء انتخابات عاجلة لوقف عبث “المسؤول غير المسؤول”، ووقف نزيف الدينار الليبي، في ظل ارتفاع الأسعار، وتفاقم القلق المعيشي، وغياب أي جهة رسمية تخرج لتصارح الناس بما يجري.
بل إن هناك من حذّر صراحة من أن هذا المسار قد يفتح الباب أمام توترات أمنية خطيرة، إذا لم يُطرح حل جذري وسريع لهذا الانهيار المتواصل.
والمفارقة الأكبر أن المعلومات أكدت أن وزارة اقتصاد حكومة الوحدة كانت أول جهة تبنّت هذا القرار، وهي الوزارة ذاتها التي فشلت سابقًا في ضبط ملف تسعير الزيت… فكيف يُطلب من المواطن أن يثق في وزارة عجزت عن تثبيت سلعة أساسية، ثم تتصدر اليوم مشهد فرض الضرائب؟والأغرب أن حكومة الوحدة سارعت بإصدار بيان ترفض فيه قرارات فرض الضرائب الصادرة عن مجلس النواب، في وقت تتبع فيه وزارة الاقتصاد لها، فهل كانت الحكومة تجهل ما قامت به وزارتها؟ أم أن الوزارة أصبحت تصدر وتلغي وتقرّر دون الرجوع إلى الحكومة!
ويبقى تساؤل الشارع الليبي حاضرًا وبحدة: لماذا تُفرض الضرائب على المواطن وحده، بينما يستمر الإنفاق الرسمي والموازي بلا سقف ولا رقابة؟ولماذا يُطلب من الناس شدّ الأحزمة، في وقتٍ لا تُمسّ فيه مصروفات السفارات، ولا الامتيازات، ولا المرتبات المرتفعة للمسؤولين التي لم تغير شيئًا في واقع الخدمات أو الاقتصاد؟لماذا لا يُوقَف النزيف من منابعه؟ ولماذا لا تُجمد أبواب الصرف العبثي داخل حكومة الوحدة ولا يُغلق باب الاعتمادات، ولا تُواجَه فوضى القرار داخل وزارة الاقتصاد ولا يتحمّل مجلس النواب مسؤوليته الكاملة عمّا صدر باسمه؟لماذا يُستدعى المواطن دائمًا إلى طابور الدفع، كلما فشلت السياسات وانهارت القرارات، بينما يبقى الهدر محميًا بسياج النفوذ، ويظل الإنفاق الرسمي والموازي بلا سقف ولا مساءلة!
أليست العدالة المالية الحقيقية تبدأ بكسر منظومة الفساد، ووقف نزيف الإنفاق! وإخضاع مراكز النفوذ للمساءلة، قبل إخضاع المواطن لضرائب جديدة!

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك