فيضانات في إسبانيا والبرتغال وكولومبيا.
فيضانات غير مسبوقة في المغرب؛ شوارع غارقة، منازل مهددة بالسقوط وأخرى سقطت، أناس يفرّون أو معلّقون في السطوح ويطلبون النجدة.
يرتفع الماء بهدوء أولاً، ثم يستولي على المكان دفعة واحدة.
يجد الإنسان نفسه أمام حقيقة لا يواجهها دوماً، في مواجهة الوجه الخفي للحياة: الموت.
لكن الطوفان ليس حدثاً جديداً في ذاكرة البشر.
قبل أن يكون خبراً عاجلاً، كان أسطورة.
ففي ملحمة جلجامش لا يظهر الطوفان كارثة طبيعية فحسب، بل قراراً كونياً، تقرر الآلهة إهلاك البشر لأن تكاثرهم مزعجٌ، وضجيجهم أصبح لا يُحتمل.
لا صراع هنا ولا بطولة؛ ارتفاعٌ بطيء للماء، تسلّلٌ صامت، فقدانٌ تدريجي للأرض والحدود.
القرى تُمحى، الطرق تنطمس، والمدن تختفي تحت سطح واحد بلا معالم.
لا ينجو سوى من احتمى بالسفينة، من بشرٍ وحيواناتٍ وبذور.
ما إن تُغلق أبواب السفينة حتى تنفجر السماء، وتهدر الرياح، وتفيض المياه من الأعالي والأسافل.
ستةَ أيام وسبعَ ليالٍ تتحول فيها الأرض إلى بحر بلا ضفاف.
وفي اليوم السابع تعود الحمامة معلنة ظهور اليابسة.
يبدأ زمنٌ آخر، انبعاث جديد، الماء هنا أصل الحياة وأداة فنائها في آن، عقابٌ شامل، ومحوٌ كامل، ثم بداية عهدٍ جديد.
لكن حين يغادر الطوفان مجال الأسطورة ويدخل عالم الأدب الحديث، يغيّر السؤال أفقه.
لا يعود موضوع السؤال: لماذا تهلك البشرية؟ بل: كيف يتصرف الفرد حين يقف أمام امتحان الطبيعة؟ في قصة تورغينيف" الطوفان"، لا تهلك البشرية، بل يُختبر ضمير الفرد.
شاب يعيش تجربة حب مرتبكة مع فتاة تُدعى صوفيا.
يجدان نفسيهما محاصرين بالمياه داخل بيتٍ من البيوت.
يظهر رجل آخر (منافس محتمل في حب صوفيا).
الراوي قادرٌ على إنقاذه، يتردد لحظة قصيرة، لكنها فاصلة، وقرر في النهاية أن يتركه يغرق.
ينحسر الفيضان، تعود المدينة إلى شكلها، لكن شيئاً لم يعد كما كان.
الحب الذي بدا ثابتاً في البداية يتصدّع.
يبقى الراوي وحيداً مع ذنب لا يراه سواه.
الماء لم يكشف قوة الطبيعة فقط، بل هشاشة الكائن أمام أول امتحانٍ حقيقي، وآخر امتحان.
لا يفتح تورغينيف نافذة يدخل منها ولو بصيصاً من الأمل.
عكس ما ذهب إليه ويليام فوكنر في" النخيل المتوحش"، حين فاض نهر الميسيسيبي، فُتحت أبواب السجن لتسخير السجناء في عمليات الإنقاذ، الماء تجاوز السدود وابتلع الطرق واقتلع الأشجار والمنازل.
يُكلَّف أحد السجناء بإنقاذ امرأة حامل عالقة وسط المياه، ينطلق معها في قارب صغير.
يفقد الرجل الاتجاه، تتحوّل رحلتهما إلى تيه طويل في هذا الامتداد المائي الذي لا نهاية له.
يدخل في فضاء بلا حدود: ماء من كل الجهات، سماء ثقيلة، صمت تقطعه أصوات الطبيعة الغاضبة.
ينساق القارب حيث يأخذه النهر، الطعام ينفد، الجوع والتعب والبرد، تتسلل ببطء.
مع ذلك تلد المرأة طفلها وسط الخراب؛ استمرار أعمى للحياة في قلب الفوضى، العالم يغرق، لكن كائناً جديداً يولد.
هنا لا يمثّل الطوفان عقاباً، ولا امتحاناً أخلاقياً فردياً، بل لحظة خلاصٍ.
تتكشف هشاشتنا، نعم، لكن تتكشف أيضاً قدرتنا على التضامن.
وإذا كان الطوفان الأسطوري شاملاً، والطوفان الأدبي أخلاقياً، فإن زمننا عرف طوفاناً من نوع آخر، امتحاناً من نوعٍ جديد، طوفاناً بلا ماء.
لا أحد ينسى أيام الجائحة التي ضربت العالم من أقصاه إلى أقصاه، كل كائنٍ صار محلّ ارتياب، الهواء نفسه صار مصدر خوف، موتٌ فرديٌّ يتسلل عبر اللمس والهمس والأنفاس.
كل واحد يفكر في نجاته الخاصة، حجرٌ يعزل الجار عن جاره، والأم عن أولادها، اليد التي تمتد للمصافحة تصبح موضع ريبة، مقبض الباب، النقود، أنفاس المارّين… هناك ملصقات في كل مكان، تشير إلى الحركات التي ينبغي اتخاذها داخل البيت وخارجه، والمسافة التي على المرء أن يتركها بينه وبين أقرب شخصٍ إليه.
كل شيء يحمل عدوى محتملة؛ مغادرة البيت مغامرةٌ حقيقية.
الجائحة تعزل الإنسان داخل قوقعته والفيضان يعيده إلى الجماعة.
الجائحة تعزل الإنسان داخل قوقعته، أما الفيضان فيعيده إلى الجماعة.
نعم، لحظات تقرّب بين البشر، حين تضرب المياه المدن، تتغير وجهة السؤال.
لا يعود السؤال من ينقذني، بل من أُنقِذ، رجال الإطفاء يحملون امرأة مبتسمة، جندي يسند عجوزاً على ظهره، غرباء يساعدون غرباء، يساعدونهم على امتطاء القوارب، كلما ارتفع الماء، تقلّصت المسافات بين البشر.
الفيضانات الأخيرة في المغرب كشفت هذا الوجه المزدوج للماء.
بعد سنوات من الجفاف القاسي، يبس الطين وفقد قدرته على امتصاص المطر.
مئتا مليمتر خلال ساعات قليلة.
مدن غمرتها المياه: تطوان، سيدي قاسم، سيدي سليمان، طنجة، جرسيف.
مشاهد مهولة، لكنها لم تتحول إلى كارثة بشرية واسعة.
الخطر كان مشتركاً، وكذلك النجاة.
نعم، على وجوه الفلاحين قلقٌ على زرعهم وماشيتهم، لكنه لم يكن ذاك القلق الذي يُفتّت الجماعة.
وسواء في الأسطورة أو في الأدب أو في الواقع، يكشف الماء شيئاً واحداً: عجز الإنسان أمام قوى تتجاوزه، لكنه يكشف أيضاً ما هو أعمق: كيف نتصرف حين تصير حياتنا مهددة.
الماء لا يحمل رسالة.
إنه يرتفع فقط، لكن الطريقة التي نواجه بها ارتفاعه هي التي تمنح الحياة معناها، حين يعلو منسوب الخطر، إما أن نغرق فرادى، وإما ننجو جماعةً.
لذلك كان الفلاح يقول: الواد إذا فاض، عاشت البلاد.
الفيضان ليس نهاية مطلقة، بل دورة قاسية من دورات الحياة.
من ماءٍ وطين نُخلق، وبالماء يُمتحن طيننا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك